الجنوب السوري تحت الاحتلال: أمننة، تدمير بيئي، ومشاريع استيطانية تهدد الهوية الديموغرافية


هذا الخبر بعنوان "الجنوب السوري بين الأمننة والتدمير البيئي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ أواخر عام 2024، اتخذ الاحتلال الإسرائيلي من اللغة الأمنية غطاءً معرفيًا لإعادة تشكيل الجنوب السوري سياسيًا ومعرفيًا، بما يخدم طموحاته التوسعية وهيمنته على المنطقة. وقد أنتج خطابه الرسمي معجمًا متماسكًا يصف الجنوب بأنه مجال أمني لا فضاء سيادي. من أبرز المصطلحات المستخدمة "منطقة عازلة" داخل سوريا، "منزوعة السلاح"، و"عمق أمني حيوي". وقد تجسد ذلك باحتلال قمة جبل الشيخ، الممتد بين سوريا ولبنان، حيث وصلت المساحة المحتلة، وفقًا لصحيفة "الفايننشال تايمز" في 19 من أيار الحالي، إلى نحو 233 كيلومترًا مربعًا، تمتد من مرتفعات جبل الشيخ شمالًا إلى قاعدة عسكرية مهجورة في بلدة معرية، على بعد أكثر من 70 كيلومترًا إلى الجنوب. هذه المساحة السورية المحتلة هي جزء من ألف كيلومتر مربع احتلتها إسرائيل، أكثر من نصفها أراضٍ محتلة من جنوبي لبنان، وحوالي 7-8% من قطاع غزة، وتعادل مجمل المساحات الثلاث نحو 5% من حدود عام 1949.
بعد سقوط نظام الأسد، أطلق الاحتلال عملية عسكرية أسماها "سهم الباشان"، دمر خلالها حوالي 70-80% من البنية التحتية العسكرية السورية، بما في ذلك المنشآت ومخازن الأسلحة. وتمركز عسكريًا في تسع قواعد ونقاط، شُيّد بعضها في محميات طبيعية بعد تجريف ثلثها، مثل محمية جباتا الخشب، وأخرى كقاعدة العدنانية التي تشرف على سد المنطرة، أكبر سدود الجنوب السوري، بهدف التحكم بالمياه بعد إغلاق المنطقة عسكريًا. كما احتل ثكنة الجزيرة الواقعة في منطقة زراعية غنية بالمياه قرب حوض اليرموك. يضاف إلى ذلك المشروع التوسعي "سوفا 53"، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة المكانية والمعيشية والأمنية للجنوب السوري، ويفرض تغييرات ديموغرافية قد تمهد لمشاريع استيطانية، خاصة مع المحاولات الحثيثة لحركات استيطانية، كحركة "رواد الباشان" لعبور الحدود، التي تطالب بإقامة بؤر استيطانية فيما تسميه "أرض الباشان"، في إشارة إلى المحافظات الثلاث في الجنوب السوري، بما فيها الجولان المحتل، وأجزاء من جنوب ريف دمشق.
في الدراسات الاستيطانية، يُعتبر الفعل الرمزي لمحاولات العبور اختبارًا سياسيًا ومكانيًا يُشعل المخيال الجمعي لإعادة تخيل المكان، لا سيما مع استدعاء لغة توراتية كاسم "الباشان" للحركة الاستيطانية، المدعومة من أعضاء في حكومة الاحتلال، والحاصلة على شهادة تقدير من نائبة رئيس "الكنيست"، ليمور سون هار-ميلخ، كواحدة من الداعمات لاحتلال قطاع غزة وتهجير سكانه وإقامة مستوطنات فيه. يرتبط المخيال الاستيطاني بالمعجم اللغوي الاستعماري الذي يُقدم لجمهور المستوطنين كـ"إجراءات استقرار"، كما يرتبط بالبنية العسكرية التي أنشأها الاحتلال في الجنوب السوري، من قواعد ونقاط عسكرية، وطرق وحواجز، وتجريف واسع، وشق لطرق عسكرية، وإقامة سواتر ترابية، ونقاط مراقبة، وخطف للمواطنين، وتدمير للأنماط الزراعية للمجتمعات، وجميعها تغذي وتنتج أفقًا استيطانيًا محتملًا للمتطرفين.
فضلًا عن ذلك، يتمثل المسار المنتظم والتراكمي الذي ينتهجه الاحتلال في هدم العمران أو إلحاق أضرار به. فبعد ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، دمر الاحتلال ما لا يقل عن 23 مبنى مدنيًا في ثلاث قرى بمحافظة القنيطرة، وهجّر سكانها، بالإضافة إلى تدمير حدائق وأراضٍ زراعية مجاورة، وهي سمة إجرامية للاحتلال في كل من الجنوب السوري واللبناني وقطاع غزة. وقد طال منطق الإزالة والمحو تدمير منشآت تاريخية في مدينة القنيطرة القديمة، مثل مسجد "الداغستان" الأثري، ومبنى المتحف، كجزء من تفكيك الذاكرة المكانية، وتحويل المكان إلى مساحة أمنية عسكرية في إطار مشروع طريق "سوفا 53"، وهو خط عسكري يمتد من جبل الشيخ حتى جنوبي القنيطرة بطول 70 كيلومترًا، ويربط بين القواعد العسكرية التي أنشأها الاحتلال.
إن البيئة القسرية التي يفرضها الاحتلال، والتحكم في حركة السكان، وعسكرة الحيز اليومي، وتقييد وصولهم إلى الأراضي ومصادر المياه وأمننتها، وتدمير محاصيلهم عبر رشها بمبيدات كيماوية سامة، تهدد الأمن الغذائي ومقومات الحياة، وتلوث التربة والموارد المائية لأمد طويل. كما أن توقيف المدنيين وخطف بعضهم، والذي بلغ عددهم 46 شخصًا نُقلوا قسرًا إلى سجون الاحتلال، إضافة إلى التوغلات المتكررة التي بلغت في محافظة القنيطرة، على سبيل المثال، منذ بداية كانون الأول 2024 حتى نهاية كانون الأول 2025، 639 مرة، وأقيمت خلالها الحواجز والتفتيش 180 مرة، وتم إطلاق النار 41 مرة، ستؤدي إلى تهجير قسري بطيء للسكان، خاصة وأن التدمير البيئي مرتبط بشكل وثيق بالتهجير القسري في السياقات الاستعمارية.
عمليًا، إن توفير الأدوات الاستراتيجية من دعم للزراعة والكهرباء، وإعادة بناء المنازل وإصلاح المتضرر منها، وحماية الملكيات، وإنشاء صناديق تكافلية، ودعم الخدمات المحلية والعملية التعليمية، والتوثيق القانوني والإعلامي المستمر لعمليات التوغل واحتلال الأراضي والهدم والاختفاء القسري والإبادة البيئية، ونقلها من المستوى المحلي إلى ملفات قانونية دولية، من شأنها أن تدعم المقاومة الشعبية المدنية للسكان.
أما "سياسة النعامة" التي تنتهجها السلطة الانتقالية، في تجاهل لجرائم الاحتلال، وبضمنها عدم المطالبة بالإفراج عن المختفين قسرًا في سجون الاحتلال، والتغاضي عما يتعرض له سكان الجولان المحتل من خطر اقتصادي وسياسي وبيئي على المنطقة، من خلال مشروع "التوربينات"، أو ما يطلق عليه السكان "توربينات التهجير"، هو جزء من مشكلة التغييرات الجذرية التي يؤسس لها الاحتلال، ليُترك السكان في مواجهة منفردة معه، دون مشروع حماية وطني يضمن قدرتهم على البقاء والاستمرار والسيادة على مجالاتهم الحياتية، ويتحول الجنوب إلى منطقة هشة مفتوحة لإعادة التنظيم الأمني والديموغرافي، وأرض تُفرض عليها الوقائع بالقوة.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة