مسرحية "حوار": مواجهة مؤجلة على خشبة المسرح السوري تستكشف خيبات جيل وتحديات الفنان في زمن الحرب والمنفى


هذا الخبر بعنوان "“حوار”.. المسرح السوري يواجه خيباته على خشبة “ر”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عرض مسرحي يتخذ من خشبة مهجورة فضاءً له، تعود ذكريات الماضي دفعة واحدة، حيث يلتقي مخرج فقد شغفه الفني وممثلة أنهكتها الغربة. هذا اللقاء، الذي يأتي بعد سنوات من الانقطاع، يشكل مواجهة مؤجلة مع الذاكرة والخذلان والتحولات العميقة التي طالت الإنسان السوري خلال السنوات الماضية، وهي الفكرة المحورية التي تقوم عليها مسرحية "حوار".
عُرضت المسرحية ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان "دبا الحصن" للمسرح الثنائي بالشارقة، في 24 من أيار الحالي. "حوار"، من تأليف وإخراج مأمون الخطيب، وبطولة إبراهيم عيسى وآلاء عفاش، وتتميز بتركيزها على التكثيف النفسي والحوار المتصاعد، متجاوزة الاعتماد على الحدث الخارجي.
لا تكتفي المسرحية بتقديم حكاية شخصية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتطرح مساءلة شاملة لجيل كامل من الفنانين والمثقفين السوريين، الذين وجدوا أنفسهم أمام تحولات قاسية فرضتها الحرب والمنفى وتبدل القيم الفنية والاجتماعية.
تدور أحداث المسرحية حول لقاء بين مخرج مسرحي وممثلة جمعتهما سابقًا علاقة إنسانية وفنية، قبل أن تفرقهما التحولات التي عصفت بحياتيهما. تعود الممثلة بعد سبع سنوات من الغربة، محملة بذكريات الوجع ورائحة الموت، بينما يظهر المخرج وقد ابتعد عن مشروعه الفني الأول، متحولًا من صاحب رؤية مسرحية إلى مجرد عامل داخل صناعة تلفزيونية استهلاكية.
في حديث إلى عنب بلدي، أوضح المخرج مأمون الخطيب أن المسرحية تقوم أساسًا على فكرة "المواجهة المؤجلة". وأشار إلى أن العمل يتجاوز الحكاية المباشرة ليصبح حوارًا مع الزمن نفسه، ومع التحولات التي أصابت الإنسان السوري خاصة والعربي عامة، وأثرت في علاقته بذاته وبالآخر.
وأضاف الخطيب أن شخصيتي العرض تمثلان مسارين متناقضين للانكسار: مخرج تحول مساره من الشغف إلى الرضوخ والسطحية ومجاراة التيار الاستهلاكي في الفن، وممثلة تحول مسارها من إنسانية كاملة الحضور والموهبة إلى الإهمال والنكران.
تتعامل "حوار" مع الفن ليس بوصفه مهنة فقط، بل باعتباره اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا. فالشخصيتان لا تتبادلان العتاب بقدر ما تخوضان محاكمة متبادلة حول معنى النجاة، وما إذا كان الفنان قادرًا على الحفاظ على قناعاته وسط الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
يرى المخرج مأمون الخطيب أن الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن الحوار، مهما بدا متعثرًا أو مستحيلًا، يبقى الوسيلة الوحيدة لفهم الذات ومصالحتها. وأضاف أن العرض يحاول الإشارة إلى أن الحقيقة ليست امتلاك جواب نهائي، بل الجرأة على الإصغاء ومراجعة الذات والاعتراف بقوة الظرف الإنساني القاهر الذي يجبر الإنسان على تغيير مصيره ومساره.
من خلال هذا الطرح، يتحول العمل إلى تأمل عميق في مصير الفنان السوري خلال السنوات الأخيرة، حيث دفعت ظروف الحرب والمنفى كثيرين إلى إعادة تشكيل علاقتهم بالفن، أو التخلي عن مشاريعهم السابقة لمصلحة خيارات أكثر ارتباطًا بالبقاء المادي.
إخراجيًا، اعتمد مأمون الخطيب على ما وصفه بـ"الواقعية النفسية"، من خلال التركيز على الأداء الداخلي للممثلين، واستخدام الصمت والمسافة والفراغ بوصفها أدوات درامية أساسية. وأوضح أن العرض اشتغل على الإيقاع النفسي أكثر من الحدث الخارجي، وأن الصمت والتردد والانقطاع في الجملة تحولت إلى عناصر تعبيرية رئيسة داخل العمل. كما بُنيت "السينوغرافيا" على "جمالية الخراب الحي"، بحيث يبدو المسرح وكأنه شاهد ثالث على المواجهة، يراقب الشخصيتين ويحاكمهما بصمته.
حول المشاركة في مهرجان "دبا الحصن"، اعتبر الخطيب أن وجود المسرحية ضمن المهرجان يمثل "تقديرًا مهمًا" للتجربة السورية في المسرح الثنائي. وأضاف أن الإقبال على العرض يعكس وجود جمهور عربي لا يزال مهتمًا بالمسرح الجاد والقضايا الإنسانية التي يطرحها. وأشار إلى أن تقديم "حوار" في هذا السياق يؤكد أن المسرح لا يزال قادرًا على خلق تواصل حقيقي بين تجارب مختلفة تنتمي إلى بيئات وثقافات متعددة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة