دمشق تحت وطأة الغلاء: الفاكهة الصيفية تخرج من موائد الأسر والكرز يُشترى بالحبة


هذا الخبر بعنوان "حين يُشترى الكرز بالحبة.. الغلاء يطرد الفاكهة من بيوت دمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق مدينة دمشق، منذ حلول عيد الأضحى وحتى اليوم، ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الفواكه الصيفية، التي لا تزال في بداية موسمها. هذا الارتفاع الكبير قلص قدرة الأهالي على الشراء، محولًا الفاكهة من سلعة أساسية على موائد العديد من العائلات إلى رفاهية تُقتنى بكميات محدودة للغاية. يأتي هذا التضخم في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر السورية، حيث بقيت الرواتب والدخول عند مستويات لا تتناسب إطلاقًا مع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية المتزايدة.
في جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي على عدد من أسواق دمشق، شملت أسواق دويلعة والصناعة والميدان والشعلان والبرامكة، يوم الأحد 31 من أيار، لوحظ تفاوت في أسعار الفواكه بحسب النوع والموقع. فقد بلغ سعر كيلو الكرز ما بين 40 و60 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يتراوح بين 35 و50 ألف ليرة سورية قبل العيد. أما سعر كيلو الجارنك، فتراوح بين 35 و40 ألف ليرة سورية، مقارنة بـ 30 إلى 40 ألف ليرة سورية سابقًا (مع العلم أن الأسعار عادة ما تنخفض تدريجيًا بعد أيام من بدء الموسم).
وسجل صنفا الدراق والخوخ سعرًا يتراوح بين 30 و50 ألف ليرة سورية للكيلو، بعد أن كان يباع الكيلو منهما بين 20 و40 ألفًا. بينما تراوح سعر المشمش بين 20 و40 ألف ليرة سورية للكيلو، بعد أن كان يباع بحوالي 20 و30 ألف ليرة سورية. أما الموز، فقد وصل سعر الكيلو منه إلى نحو 15 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يباع بحوالي 10 و12 ألف ليرة سورية. في حين تراوح سعر كيلو الفريز والتوت بين 15 و35 ألفًا، مقارنة بـ 12 و25 ألف ليرة سورية سابقًا.
أعرب عدد من الأهالي عن استيائهم الشديد من أسعار الفواكه الحالية، مؤكدين أن معظم الأصناف أصبحت تفوق قدرتهم الشرائية، مما دفعهم إلى تقليص الكميات المشتراة أو حتى شراء بعض الأنواع بالحبة الواحدة فقط.
محمد الشعار، رب أسرة من سكان دمشق، صرح لعنب بلدي بأن الفواكه كانت في السابق من أساسيات المنزل خلال موسمها، أما اليوم فقد أصبحت تُشترى بكميات رمزية بهدف إرضاء الأطفال فقط. وأضاف أن سعر كيلو الكرز أو الدراق يعادل جزءًا كبيرًا من مصروف الأسرة اليومي، مما يضطره إلى شراء عدة حبات بدلًا من كيلو كامل، وذلك ليتذوقها الأولاد ولو مرة واحدة سنويًا.
من جانبها، قالت نيرمين ضيفو، من أهالي مدينة دمشق، إن أبناءها يطلبون الفواكه الموسمية، خاصة الصيفية، لكنها لم تعد قادرة على شرائها كما في السنوات السابقة. وأضافت أن بعض العائلات باتت تكتفي بشراء “حبتين أو ثلاث حبات” من الأصناف مرتفعة الثمن. وأكدت أن الأولوية أصبحت للمواد الأساسية كالخبز والخضار والاحتياجات المنزلية، بينما تراجعت الفواكه إلى مراتب متأخرة ضمن قائمة المشتريات.
لم يبدِ باعة الفواكه ارتياحهم للأسعار الحالية، مؤكدين أن الغلاء انعكس سلبًا على حركة البيع، رغم دخول أصناف موسمية يزداد الطلب عليها عادة في مثل هذا الوقت من العام.
أبو علي المنجداني، أحد باعة الفواكه في دمشق، قال لعنب بلدي إن أسعار أصناف الفواكه كانت مرتفعة منذ طرحها بالأسواق، لكنها ازدادت بنسبة متفاوتة مع بدء عيد الأضحى، وما زالت مرتفعة بعد انتهائه. ويصف الإقبال على الشراء بأنه “خجول جدًا” مقارنة بالأعوام السابقة، موضحًا أن كثيرًا من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء. وأضاف أن بعض الزبائن يشترون الدراق أو المشمش بالحبة، بينما الكرز والجارنك يشترونه بكميات لا تتجاوز ربع كيلو، بعد أن كانوا يشترون عدة كيلوغرامات خلال الموسم. ويرى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وأجور العمالة، والغلاء الذي يصيب كل السلع، انعكس مباشرة على الأسعار، الأمر الذي أضعف حركة السوق وأثر على أرباح الباعة.
يوافقه الرأي بائع آخر في سوق شعبي بدمشق يدعى غسان صالحاني، مؤكدًا أن حركة البيع تراجعت بشكل واضح هذا الموسم، وأن ارتفاع الأسعار لا يخدم البائع كما يعتقد البعض، لأن ضعف الإقبال يقلل من حجم المبيعات اليومية. وأضاف أن معظم الزبائن باتوا يقتصدون في شراء الفواكه، فيما يفضل آخرون الاستغناء عنها بالكامل، ما جعل الموسم الحالي أقل نشاطًا من المواسم السابقة.
بدوره، قال أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، إن الارتفاع الحالي في أسعار الفواكه يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها بداية الموسم الزراعي، حيث تكون أسعار المنتجات الموسمية مرتفعة بطبيعتها خلال الأسابيع الأولى من طرحها في الأسواق. وأوضح أن التقلبات الجوية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية، من رياح شديدة وتفاوت كبير في درجات الحرارة، أثرت سلبًا على حجم الإنتاج الزراعي والكميات المطروحة في الأسواق، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.
يأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار المحروقات وأجور النقل والعمالة والأسمدة والمبيدات الزراعية، فضلًا عن زيادة تكاليف الري نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة. وأكد أمين سر الجمعية أن بعض المحافظات تعاني حاليًا من صعوبات في تأمين الكميات المطلوبة بسبب الظروف الجوية التي مرت بها، خاصة في المناطق الشمالية التي شهدت أمطارًا وبرودة غير معتادة خلال هذه الفترة من العام. كما أن التغيرات المناخية أسهمت كذلك في زيادة الإصابات الحشرية للمحاصيل الزراعية، ما رفع من تكاليف المكافحة والإنتاج على المزارعين، وفقًا لحبزة، مؤكدًا أن هذه العوامل مجتمعة انعكست بشكل مباشر على أسعار الفواكه والخضار.
أسعار الفواكه يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، منها: بداية الموسم الزراعي، حيث تكون أسعار المنتجات الموسمية مرتفعة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار المحروقات وأجور النقل والعمالة والأسمدة والمبيدات الزراعية.
عبد الرزاق حبزة أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق
قرارات منع استيراد بعض المنتجات الزراعية المحلية في بداية الموسم أسهمت أيضًا في حدوث نقص في بعض المواد المطروحة بالأسواق، بحسب تعبيره، لافتًا إلى أن الجمعية سبق أن حذرت من إصدار قرارات منع الاستيراد بشكل مسبق دون دراسة دقيقة لحجم الإنتاج الفعلي وحاجة السوق المحلية. وأضاف أن بدء عمليات التصدير لبعض المنتجات الزراعية، بالتوازي مع منع الاستيراد، أدى إلى زيادة الضغوط على المعروض المحلي ورفع الأسعار بشكل إضافي.
ودعا إلى إعادة تقييم الكميات المتوافرة في الأسواق، واتخاذ قرارات مرنة بشأن الاستيراد والتصدير وفقًا للمعطيات الفعلية للإنتاج وحاجة السوق، بدلًا من الاعتماد على قرارات مسبقة لا تستند إلى دراسات ميدانية دقيقة.
وحول زيادة أسعار الفواكه خلال فترة عيد الأضحى، أوضح أن ارتفاع أسعار الحلويات دفع العديد من الأسر إلى التوجه نحو شراء الفواكه كبديل، ما أدى إلى زيادة الطلب مقارنة بحجم العرض المتاح، وأسهم في استمرار ارتفاع الأسعار. وشدد على ضرورة وضع خطة منهجية لدعم القطاع الزراعي، تشمل توفير الأسمدة والمبيدات والمحروقات ووسائل النقل والعبوات بأسعار مناسبة، إلى جانب ضمان وصول الدعم إلى المزارعين المستحقين بشكل عادل وشفاف. وختم بالقول إن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج من دون تقديم الدعم الكافي للمزارعين سيؤدي إلى تراجع قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج، ما ينعكس سلبًا على وفرة المنتجات الزراعية وأسعارها في الأسواق.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة”، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات أزمة مركبة تجلت في تآكل القيمة الشرائية للعملة المحلية، وانهيار البنى التحتية، وتراجع الإنتاج المحلي. وفي ظل هذا الوضع، يشكل قطاع الزراعة وخاصة الفواكه مرآة عاكسة لاختلالات أكبر، فما يشهده المواطن السوري من قفزة غير مسبوقة في أسعار الفواكه بدءًا من موسم عيد الفطر ومرورًا بعيد الأضحى وحتى اليوم، ومنها سعر الكرز 50 ألف ليرة والدراق 35 ألفًا، ليس ظاهرة موسمية عابرة، بل “مؤشر خطير” على تعقيد دوائر العرض والطلب في بيئة نقدية متدهورة.
ويرجح الدكتور عبد الرحمن محمد، في حديثه مع عنب بلدي، أن الغلاء ناتج عن تداخل عوامل هيكلية وموسمية:
وفيما يتعلق بإقبال الأهالي الخجول لشراء أصناف الفواكه الموسمية، يعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الإقبال ضعيف جدًا بالنسبة للسكان ذوي الدخل المحدود، ومتوسط إلى مرتفع نسبيًا عند شريحة الميسورين والمغتربين (الذين يحولون بالدولار). ويفسر أن ظاهرة الشراء بالجرام لفاكهة الكرز مثلًا أصبحت واقعًا، حيث يشتري المواطن العادي 100-200 غرام فقط كرفاهية عابرة. وأكد أن الأسعار غير منطقية اقتصاديًا مقارنة بمتوسط الدخل (الذي لا يتجاوز بضعة ملايين ليرة لمعظم السوريين). أما اقتصاديًا، السعر أعلى بكثير من السعر التوازني لو كانت الأسواق تنافسية سليمة وحرة، وفق تعبيره، مفسرًا أن الأسعار تعكس فشلًا سوقيًا وتدخلات مشوهة، وليس ندرة حقيقية متوازنة مع دخل حقيقي.
ما يشهده المواطن السوري من قفزة غير مسبوقة في أسعار الفواكه، “مؤشر خطير” على تعقيد دوائر العرض والطلب في بيئة نقدية متدهورة، و الأسعار تعكس فشلًا سوقيًا وتدخلات مشوهة.
عبد الرحمن محمد خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
واقترح الخبير الاقتصادي مجموعة حلول لتفادي غلاء أصناف الفواكه في السوق المحلية، منها:
اختتم الدكتور عبد الرحمن محمد حديثه بتقديم عدة انطباعات اقتصادية تمحورت حول الغلاء الذي تشهده أصناف الفواكه الموسمية حاليًا في الأسواق، وهي:
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد