محاكمة تاريخية في النمسا: ضابطان سابقان في نظام الأسد يواجهان تهم تعذيب معارضين سوريين في الرقة


هذا الخبر بعنوان "النمسا تحاكم ضابطين في نظام الأسد بتهم تعذيب معارضين في الرقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العاصمة النمساوية فيينا، يوم الاثنين الموافق 1 من حزيران، انطلاق محاكمة مسؤولَين سابقَين رفيعَي المستوى في أجهزة النظام السوري السابق. يواجه المتهمان اتهامات خطيرة تتعلق بتعذيب معارضين وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مدنيين خلال السنوات الأولى من النزاع السوري. تُصنف هذه القضية ضمن أبرز الملفات القضائية المتعلقة بالانتهاكات في سوريا التي تُعرض أمام المحاكم الأوروبية.
أوضح الادعاء العام في فيينا، في بيان رسمي، أن المتهمَين، أحدهما عميد سابق في جهاز المخابرات السورية والآخر رئيس سابق لمكتب التحقيق الجنائي المحلي برتبة مقدم، متهمان بـ"إصدار أوامر بإساءة معاملة أفراد من الحركة الاحتجاجية أو الامتناع عن الاعتراض على تلك الممارسات في عدة مناسبات". وتتركز هذه التهم حول أفعال يُشتبه في ارتكابها بحق مدنيين احتُجزوا في محافظة الرقة بين عامي 2011 و2013، وذلك في سياق حملة القمع الشرسة التي استهدفت الاحتجاجات المناهضة لرئيس النظام السوري السابق بشار الأسد.
رغم عدم كشف الادعاء العام النمساوي عن اسمَي المتهمَين، التزامًا بالإجراءات القضائية المتبعة قبل صدور الأحكام، فقد أشارت وسائل إعلام نمساوية إلى أن أحد المتهمين هو العميد السابق في المخابرات السورية خالد الحلبي، الذي أفادت وكالة الأنباء النمساوية بأنه موقوف احتياطيًا منذ أواخر عام 2024. وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد كشفت في تشرين الثاني 2025 عن اسم الحلبي، وذكرت أن شريكه في القضية هو المقدم السابق مصعب أبو ركبة، وذلك بناءً على تصريحات محاميه.
تتعلق الاتهامات بتعذيب 21 محتجزًا، حيث أفاد بيان المدعين العامين بأن 21 شخصًا احتُجزوا في السجون التابعة للنظام السوري السابق تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة ضمن حملة قمع استهدفت الحركة الاحتجاجية المدنية التي اندلعت في سوريا عام 2011. وأكد الادعاء أن هذه الانتهاكات المنسوبة إلى المتهمَين قد نُفذت بناءً على أوامر صادرة عن الحكومة المركزية وجهاز الأمن القومي السوري في تلك الفترة، وذلك ضمن سياسة قمع واسعة النطاق استهدفت معارضين وناشطين ومدنيين.
يواجه العميد السابق اتهامات خطيرة تشمل التعذيب، والإكراه المشدد، والإكراه الجنسي، والتسبب بأذى جسدي جسيم، وهي جرائم قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة عشر سنوات وفقًا للقانون النمساوي. وبالمثل، يواجه المقدم السابق تهمًا مشابهة تتعلق بالإكراه المشدد، والإكراه الجنسي، والتسبب بأضرار جسدية جسيمة، مع عقوبة قصوى مماثلة.
أشارت لائحة الاتهام إلى أن السلطات القضائية قد أسقطت تطبيق مدة التقادم المعتادة البالغة عشر سنوات، مستندة في ذلك إلى التزامات النمسا الدولية في ملاحقة الجرائم الخطيرة. وأوضح المدعون أن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يفرضان على السلطات القضائية اتخاذ الإجراءات الضرورية عند توافر أدلة كافية على ارتكاب هذه الجرائم.
تمتد جلسات المحاكمة حتى نهاية حزيران، وقد انعقد اختصاص محكمة فيينا بالنظر في القضية نظرًا لإقامة المتهمَين في النمسا منذ سنوات، بعد حصولهما على حق الإقامة إثر تقدمهما بطلبَي لجوء عام 2015. ومن المتوقع أن تستمر جلسات المحاكمة لمدة 13 يومًا، لتختتم في 30 من حزيران الحالي، مع ترقب لسماع شهادات عدد من الضحايا والشهود المقيمين في سوريا ودول أوروبية مختلفة.
يُعد هذا الملف من القضايا التي تحظى باهتمام بالغ من قبل منظمات حقوقية سورية ودولية، التي تتابع عن كثب مسار المحاسبة القضائية للمتورطين في الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع السوري. وعند توجيه الاتهام إلى خالد الحلبي سابقًا، اعتبره ناشطون وحقوقيون أعلى مسؤول أمني سوري سابق موجود في أوروبا يواجه اتهامات مباشرة مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.
من جانبه، طالب المحامي السوري المقيم في ألمانيا، أنور البني، بإضافة تهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، معتبرًا أن المحاكمة تمثل خطوة مهمة في مسار العدالة. لكنه أبدى استغرابه من عدم توجيه هذه التهم. وأكد البني، الذي أمضى سنوات في السجون السورية، أن القضية تحمل أهمية خاصة بالنظر إلى مستوى المسؤولية التي كان يشغلها أحد المتهمين داخل المؤسسة الأمنية السورية.
تندرج هذه المحاكمة ضمن سلسلة من الإجراءات القضائية الأوروبية التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، والذي يتيح للمحاكم الوطنية ملاحقة مرتكبي بعض الجرائم الدولية الخطيرة حتى وإن ارتُكبت خارج أراضي الدولة المعنية. وينص القانون النمساوي على إمكانية نظر المحاكم المحلية في جرائم معينة وقعت خارج البلاد عندما تتعلق بجرائم دولية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
أعادت المحاكمة تسليط الضوء على الجدل السابق الذي أحاط بوصول خالد الحلبي إلى النمسا وإقامته فيها لسنوات. وكان الادعاء النمساوي قد حقق سابقًا مع مسؤولين أمنيين نمساويين كبار للاشتباه في مساعدتهم الحلبي على الحصول على الحماية داخل البلاد، إلا أن القضاء برأهم عام 2023 استنادًا إلى عدم كفاية الأدلة. ووفقًا لما أوردته السلطات القضائية ووسائل إعلام نمساوية، تناولت التحقيقات اتفاقًا يُعتقد أنه أُبرم في أيار 2015 لتسهيل نقل الحلبي إلى النمسا. كما أشارت تقارير إعلامية إلى دور محتمل لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" في عملية إخراجه من فرنسا ونقله إلى الأراضي النمساوية.
في عام 2016، أبلغت لجنة العدالة والمساءلة الدولية، وهي جهة متخصصة في جمع الأدلة المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، السلطات النمساوية بالمزاعم المرتبطة بدور الحلبي في عمليات تعذيب وانتهاكات خلال عمله الأمني في سوريا. وصرحت تاتيانا أوردانيتا فيتيك، المحامية في المركز الدولي لتطبيق حقوق الإنسان، والتي تمثل 18 من أصل 21 ضحية مفترضًا في القضية، بأن المحاكمة تحمل أهمية خاصة لتأكيد أن النمسا لا ينبغي أن تتحول إلى ملاذ آمن للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
تأتي هذه المحاكمة ضمن سياق اتساع الملاحقات القضائية المرتبطة بالانتهاكات المرتكبة في سوريا منذ عام 2011. ففي أواخر نيسان الماضي، وجّه القضاء الفرنسي تهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية إلى سوري مقيم في فرنسا على خلفية أفعال يُشتبه بارتكابه لها خلال خدمته ضمن قوات النظام السابق. كما أصدر القضاء الفرنسي سابقًا مذكرات توقيف دولية بحق بشار الأسد تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك هجمات كيميائية وقصف مناطق مدنية. وشهدت بريطانيا خلال آذار الماضي أول محاكمة من نوعها لضابط سابق في المخابرات الجوية السورية بتهم مرتبطة بجرائم ضد الإنسانية، بينما أصدرت محكمة أمريكية حكمًا غيابيًا حمّلت فيه النظام السوري السابق مسؤولية اختطاف وتعذيب وقتل الطبيب السوري الأمريكي مجد كم الماز. تعكس هذه التطورات تنامي مسارات المحاسبة القضائية خارج سوريا، رغم تعثر الآليات الدولية التقليدية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة