تنوع الشعب السوري: قوة للتعايش لا دعوة للفرقة في مواجهة التحريض الطائفي


هذا الخبر بعنوان "الشعب السوري ليس واحدًا ولا يشبه بعضه… هذه حقيقة، ولكن!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: د. جابر قاسم
في ظل حملة جديدة تدعو إلى مقاطعة العلويين، وتصاعد موجة من التحريض الطائفي عبر منابر مختلفة ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، يرى الكاتب د. جابر قاسم ضرورة العودة إلى قضية جوهرية. يؤكد الكاتب قناعته بأننا لا نعيش في مدينة فاضلة، وأن هذه المدينة لم توجد قط على أرض الواقع، لكنه يشدد على أن قدر السوريين هو العيش معًا على هذه الأرض، وهي حقيقة لا يمكن تجاوزها.
يعبر د. قاسم عن أسفه الشديد لصدور بعض هذه الخطابات التحريضية عن أشخاص كانوا يعتبرون أنفسهم ضحايا للظلم، ورفعوا شعارات الحرية والكرامة والعدالة. ويرى أن تحول المظلوم إلى ظالم أشد قسوة، أو الضحية إلى جلاد، هو أمر لا يمكن قبوله. فمن نادى بالحرية لا يحق له أن يكون أول المعترضين على حرية الرأي عندما لا يروق له ما يُقال، وهي تجربة لمسها الكاتب شخصيًا عندما تعرض لانتقادات وهجمات بسبب إبدائه رأيًا ناقدًا لممارسات حكومية بأسلوب هادئ ومحترم.
الشعب السوري ليس نسخة واحدة
بالعودة إلى جوهر المقال، يؤكد د. جابر قاسم أن الشعب السوري ليس متطابقًا ولا يشبه بعضه، وهي حقيقة لا تمثل مشكلة بل على العكس تمامًا؛ فالتنوع هو مصدر غنى وقوة. لا يوجد شعب أو طائفة أو حتى عائلة واحدة تتشابه في كل شيء، فالاختلاف سنة كونية. لقد حاول النظام السوري السابق، على مدى عقود، فرض صورة نمطية عن الشعب السوري ككتلة واحدة متجانسة عبر الترغيب والتخويف، لكنه فشل في ذلك. ولن يتمكن أي طرف آخر من تحقيق هذا الهدف، لأن الاختلاف جزء طبيعي من نسيج المجتمع. ومع تراجع القبضة الأمنية، برزت الخلافات والتباينات الكامنة إلى السطح، أحيانًا بشكل حاد ومؤلم.
التنوع ليس مشكلة، بل ثراء
يشير الكاتب إلى أن التنوع ليس عائقًا في دول عديدة مثل اليابان والصين والولايات المتحدة والهند وتركيا وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، حيث تتعايش قوميات وأعراق وأديان وطوائف متعددة ضمن إطار دولة القانون والمؤسسات. في هذه الدول، يشعر الجميع بالانتماء لوطن واحد ويعملون من أجل تقدمه، حيث يحمي الدستور حقوق المواطنين ويضمن القانون المساواة بينهم، محولًا الاختلاف من سبب للصراع إلى مصدر للتكامل. ويؤكد د. قاسم أن سوريا، بحد ذاتها، تضم أطيافًا دينية ومذهبية وثقافية متعددة، وهذا لا يمثل أي ضرر. فالمطلوب ليس التطابق، بل التكامل. السؤال الجوهري هو كيف نستفيد من هذا الاختلاف ونوظفه لرسم لوحة وطنية متوازنة وجميلة تعكس ثراء المجتمع السوري وتنوعه.
لا مستقبل للكراهية دون عدالة الدولة
يحذر الكاتب من أن الأمة لن تنهض ما دام هناك تكفير أو خيانة أو تحريض وكراهية متبادلة. ويشدد على مسؤولية الدولة في تطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء، وأن تكون هي السباقة في معاملة المواطنين على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. فالدولة العادلة لا تميز بين مواطنيها، لأن التمييز يولد الإحباط ويضعف الانتماء الوطني. ويستشهد د. قاسم بعبارة الأديب الكبير محمد الماغوط في كتابه الشهير "سأخون وطني"، موضحًا أنها كانت صرخة في وجه الظلم والاختلالات، وليست دعوة للخيانة بمعناها الحرفي، مؤكدًا أنه لا ينبغي لأي مواطن أن يشعر بالاضطرار للاحتجاج أو التمرد على الظلم.
درس من ماليزيا في التعايش
يروي د. جابر قاسم عن زيارته الأخيرة إلى ماليزيا، حيث لفت انتباهه مشهد معبد بوذي كبير يضم تمثالًا ضخمًا لبوذا، يرتاده البوذيون من حول العالم وآلاف السياح سنويًا. يتم كل ذلك تحت حماية الدولة وأجهزتها الأمنية، وفي جو من الاحترام المتبادل. ورغم الأعداد الهائلة للزوار وتنوع خلفياتهم الدينية والثقافية، نادرًا ما تحدث اعتداءات أو استفزازات أو تحريض بسبب المعتقد أو الهوية. هذه التجربة تؤكد أن قوة الدولة الحقيقية لا تكمن في فرض التشابه بين أفراد المجتمع، بل في حماية حقهم في الاختلاف ضمن إطار القانون.
وحدة السوريين في تنوعهم
يختتم د. جابر قاسم مقاله بتوجيه رسالة إلى دعاة الفتنة والتحريض والكراهية، مؤكدًا أنهم لن يتمكنوا من النيل من وحدة السوريين وقدرتهم على التعايش. فالواقع اليومي الذي يعيشه الناس، من تواصل وزيارات ومحبة متبادلة بين أبناء مختلف المناطق السورية، ومظاهر الفرح والاحتفال التي تجمعهم، أقوى من كل حملات التحريض. لقد أثبت السوريون مرارًا أن ما يجمعهم يفوق بكثير ما يفرقهم، وأن الوطن يتسع للجميع عندما تسود المحبة والعدالة والاحترام المتبادل. ويؤكد الكاتب أن جمال سوريا الحقيقي يكمن في تنوعها، وفي قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة ووحدة، لا إلى سبب للانقسام والخصومة.
من أمام تمثال بوذا في ماليزيا (موقع أخبار سوريا الوطن - الكاتب)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة