سوريا تطلق مؤتمرًا وطنيًا للحوار مع القطاع الخاص: شراكة استراتيجية لبناء نموذج اقتصادي فريد


هذا الخبر بعنوان "الحكومة تحاور القطاع الخاص.. سعي للشراكة بنموذج سوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الأول من حزيران، أطلقت الحكومة السورية أول مؤتمر وطني للحوار مع القطاع الخاص السوري، وذلك في إطار مرحلة التحول السياسي والاقتصادي التي تشهدها البلاد بعد سقوط النظام السوري السابق نهاية عام 2024. ويهدف هذا المؤتمر، بحسب ما أوردته وزارة الاقتصاد والصناعة في بياناتها الرسمية وجدول أعماله الذي حضرته عنب بلدي، إلى دمج رجال الأعمال والمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية في صياغة النموذج الاقتصادي الذي تطمح دمشق لتبنيه خلال فترة التعافي وإعادة الإعمار.
شهد اليوم الأول من المؤتمر مشاركة واسعة ضمت عددًا من الوزراء وممثلين عن الجهات الحكومية وغرف التجارة والصناعة والزراعة ومجالس الأعمال، بالإضافة إلى رجال أعمال من داخل سوريا وخارجها، ومنظمات دولية وشركاء في التنمية. وقد كشفت جلسة "الاستثمار في سوريا" عن حضور ما يقارب 500 شخصية اقتصادية، من خبراء ورجال أعمال.
يُقام هذا المؤتمر على مدى ثلاثة أيام في قصر "المؤتمرات" بريف دمشق، بتنظيم مشترك من وزارة الاقتصاد والصناعة وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبدعم وتمويل من الحكومة اليابانية.
خلال كلمته الافتتاحية، أكد وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، على أهمية تبني الحكومة لمفهوم "الاقتصاد الحر الموجه"، مشددًا على ضرورة تشجيع الاستثمارات والإنتاج والمنافسة، وضمان عدالة الفرص من خلال شراكة "ذكية" بين الدولة والقطاع الخاص.
وأوضح الشعار أن الحكومة لا تهدف إلى استنساخ تجارب اقتصادية أجنبية، بل تسعى لتطوير نموذج سوري فريد يستلهم من التجارب الدولية الناجحة، معتمدًا في الوقت ذاته على المزايا النسبية للبلاد، وفي طليعتها الموقع الجغرافي المتميز والموارد البشرية والخبرات السورية المنتشرة محليًا ودوليًا.
ونفى الوزير الشعار بشكل قاطع وجود أي نية أو هدف لدى الدولة لبيع الأصول المملوكة للشعب للقطاع الخاص، مثل العقارات التابعة للجهات العامة. وأكد أن "الأصول الوطنية هي أمانة يجب الحفاظ عليها وتطويرها وتحسين كفاءتها وجذب الاستثمارات إليها، مع الحفاظ على حقوق الدولة". وأشار إلى أن الحل الأمثل للتعامل مع هذه الأصول يكمن في الشراكة مع القطاع الخاص، وليس في "الخصخصة"، وذلك عبر إبرام العقود الاستثمارية أو الامتيازات دون التخلي عن ملكية الدولة لهذه الأصول، موضحًا أن القيمة الحقيقية للأصول لا تكمن في "سعرها" بل في قدرتها على زيادة الإنتاجية والعائد.
وفي سياق الحديث عن أسعار السلع الاستهلاكية وحماية المستهلك، أوضح وزير الاقتصاد أن "اقتصاد السوق يعتمد على آليتي العرض والطلب، وليس على التسعير الإداري". وأضاف الوزير الشعار أن تبني اقتصاد السوق لا يعني انسحاب الدولة من المشهد الاقتصادي، مشيرًا إلى أن التجارب التنموية الناجحة قامت على تحقيق توازن بين حرية المبادرة الاقتصادية والتدخل الحكومي المنظم.
وكشف الشعار عن توجه حكومي لتطوير مدن صناعية حديثة ومناطق لوجستية متكاملة، بالإضافة إلى حاضنات للتكنولوجيا والابتكار، بهدف تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للتصنيع وإعادة التجميع والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الإقليمية.
وأكد أن الحكومة تعمل بشكل متوازٍ على تحديث البيئة القانونية والتنظيمية للاستثمار، وتعزيز مبادئ الحوكمة والمؤسساتية، وتحسين مستويات الشفافية، وتطوير القطاع المصرفي وأنظمة الدفع، فضلًا عن بذل جهود للحفاظ على الاستقرار النقدي ومكافحة التضخم.
وفيما يخص إصلاح السياسات المالية، صرح وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، بأن تمكين القطاع الخاص بات يمثل أولوية استراتيجية للمرحلة القادمة. وأوضح أن وزارة المالية قد أجرت مراجعة شاملة للنظام الضريبي بهدف تحسين بيئة الأعمال وتخفيف الأعباء عن القطاعات الإنتاجية.
وكشف برنية، في تصريح صحفي على هامش المؤتمر، عن قرب إطلاق برنامج تمويل جديد بالشراكة بين المصارف الحكومية والخاصة، وبضمانات سيادية. يهدف هذا البرنامج إلى دعم إعادة تأهيل خطوط الإنتاج الصناعية وتحديث التكنولوجيا المستخدمة في المنشآت الاقتصادية، لافتًا إلى أن تقادم المعدات وخطوط الإنتاج يشكل أحد أبرز التحديات التي تعترض مسيرة التعافي الاقتصادي.
وأضاف أن الحكومة أقرت حزمة من الحوافز تتضمن إعفاءات ضريبية تمتد لأربع سنوات، ومعالجات للقروض المتعثرة، وتسهيلات لاستيراد التقنيات الحديثة، وذلك في مسعى لتحفيز الاستثمار وإعادة تنشيط القطاع الصناعي.
أضفت مشاركة اليابان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعدًا دوليًا هامًا على المؤتمر، على الرغم من أن تفاصيل مساهمتهما في دعم الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لم تتضح بعد. من جانبه، أكد السفير الياباني في دمشق، أكيهيرو تسوجي، أن بلاده تعتبر القطاع الخاص محركًا أساسيًا لتوليد فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي، مجددًا دعم طوكيو للجهود السورية الهادفة لقيادة عملية التعافي الاقتصادي من خلال شراكة فاعلة بين الدولة والقطاع الخاص.
بدوره، رأى الممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، روحي الأفغاني، أن سوريا أمام فرصة سانحة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة وشمولية. ودعا إلى صياغة "عقد اجتماعي اقتصادي جديد" بين القطاعين العام والخاص، يرتكز على تعزيز التنافسية، وتطوير المهارات، وإعادة تنشيط التجارة الإقليمية والدولية.
وأشار الأفغاني إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في سوريا تكبد خسائر تقدر بمئات مليارات الدولارات خلال الحرب، مؤكدًا أن الاندماج الإقليمي يمثل "ركيزة أساسية لبناء الاقتصاد السوري، وليس أمرًا ثانويًا".
شهدت الجلسة الافتتاحية في اليوم الأول للمؤتمر طرح تساؤلات من قبل بعض المشاركين حول الهدف الحقيقي للمؤتمر، خاصة بعد كلمة وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، التي جاءت بمفاهيم عامة وبدت أشبه ببيان تعريفي بالوزارة ومهامها وآلية عملها.
وفي حديثهما لمراسل عنب بلدي (تحفظا على نشر اسميهما)، أعرب أحد رجال الأعمال السوريين ومدير مؤسسة مالية خاصة عن استغرابهما واستيائهما من خلو كلمة الشعار "المطولة" من أي تفاصيل حول:
ووفقًا لمنظمي المؤتمر، ستتناول جلسات الحوار على مدار الأيام الثلاثة قضايا الإنتاج والتصدير والاستثمار والتمويل وإصلاح بيئة الأعمال، بالإضافة إلى بحث دور المغتربين السوريين والشباب والشركاء الدوليين في دعم عملية التعافي الاقتصادي.
ومن المتوقع أن تُسفر أعمال المؤتمر عن مجموعة من التوصيات التي قد تشكل حجر الأساس لخريطة طريق اقتصادية جديدة، تحدد أولويات الاستثمار والإصلاح المؤسسي للسنوات القادمة، في ظل رهان سوريا على استعادة النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية للمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد