الجامع الأموي بدمشق: إنجازات توثيقية تعزز مكانته في سجلات التراث العالمي والعربي


هذا الخبر بعنوان "الجامع الأموي.. من قلب دمشق إلى سجلات التراث" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب دمشق القديمة، حيث تتجلى عظمة التاريخ وجمال الفن، يقف الجامع الأموي شامخاً كشاهد حي على عراقة المدينة وروحها المتجذرة عبر القرون. هذا الصرح التاريخي العريق، الذي يختصر تاريخ دمشق، كان الخيار الأمثل لافتتاح زاوية "نبض التراث" الأسبوعية الجديدة لوكالة سانا الثقافية، والتي تهدف إلى تسليط الضوء على المعالم والآثار والحكايات السورية الخالدة. والمثير للاهتمام أن الجامع الأموي، الذي لطالما كان رمزاً لدمشق في وجدان أهلها وزوارها، يعود اليوم إلى الواجهة من منظور التوثيق التراثي الحديث، محققاً إنجازين متتاليين في هذا المجال: إدراجه على قوائم منظمة الإيسيسكو، وتسجيله في سجل التراث المعماري والعمراني العربي، مما يعزز مكانته كأحد أبرز معالم التراث الإنساني.
بعد غياب دام 14 عاماً، يمثل إدراج الجامع الأموي في قائمة التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو" خطوة محورية. الدكتورة لينا قطيفان، مديرة مديرية مواقع التراث العالمي في المديرية العامة للآثار والمتاحف، صرحت لوكالة سانا بأن هذا الإدراج يؤشر إلى عودة سوريا بقوة إلى مسار ترشيح مواقعها الأثرية والثقافية على الصعيد الدولي. وأضافت الدكتورة قطيفان أن هذا الإنجاز جاء ضمن ترشيح تسعة مواقع أثرية سورية لقوائم الإيسيسكو، وذلك في إطار المساعي الحثيثة لوزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف لإبراز الغنى الحضاري لسوريا وتعزيز مكانة معالمها الأثرية على الساحتين الإسلامية والدولية.
يُعد الجامع الأموي، وفقاً للدكتورة قطيفان، من أبرز نماذج العمارة الإسلامية المبكرة، ويتمتع بقيمة تاريخية وفنية لا مثيل لها. فقد شُيّد في عام 705 ميلادي خلال عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ليغدو أحد أهم جوامع العالم الإسلامي ومدرسة معمارية ألهمت بناء المساجد في بلاد الشام واليمن وشمال أفريقيا والأندلس. وتتداول الذاكرة الشعبية والتاريخية المقولة الشهيرة المنسوبة للوليد بن عبد الملك: "يا أهل دمشق، إنكم تفاخرون الناس بأربع خصال: مائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم، وأنا سأضيف لكم أمراً خامساً تفاخرون به إلى ما شاء الله وهو هذا الجامع". هذه المقولة تجسدت عبر القرون، حيث تحول المسجد إلى مركز ديني وثقافي وعلمي محوري، أسهم بفعالية في صياغة الهوية الحضارية لمدينة دمشق والعالم الإسلامي.
ولم يقتصر الاعتراف الدولي بالجامع الأموي على الإنجازات الحديثة، فقد أشارت الدكتورة قطيفان إلى أنه سُجل ضمن النسيج العمراني لدمشق القديمة على قائمة التراث العالمي عام 1979. وقد نص تسجيل القيمة الاستثنائية للمدينة على أن دمشق، التي كانت عاصمة الخلافة الأموية وحاضرة الدنيا لقرن كامل، شهدت نمواً وتوسعاً وتطوراً حضرياً فريداً، عكست خصوصية المدينة الإسلامية العربية. ورغم أن الكثير من معالم تلك الحقبة التاريخية الهامة لم يبقَ ظاهراً، إلا أن "المسجد الكبير الذي لا يُضاهى" ظل شاهداً عليها. كما أكد معيار التسجيل الأول، الذي يصف إنجازاً فنياً أو جمالياً فريداً وتحفة من عبقرية الإنسان المبدعة، أن دمشق تشهد على جمالية فريدة من الحضارات المتعاقبة، تتجلى بوضوح في الجامع الأموي كتحفة للعمارة الأموية، إلى جانب معالم أخرى كالقلعة وقصر العظم والمدارس والخانات.
لم يقتصر الحضور الدولي للجامع الأموي على إدراجه في قوائم الإيسيسكو، بل توّج أيضاً العام الماضي بتسجيله في سجل التراث المعماري والعمراني العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو". هذا الإنجاز تحقق خلال اجتماع لجنة مرصد التراث المعماري والعمراني في البلدان العربية الذي عُقد في بيروت خلال تموز 2025. وبذلك، أصبح الجامع الأموي أول موقع سوري يُدرج على هذه القائمة العربية، ضمن الدفعة الأولى التي شملت 19 موقعاً من دول عربية مختلفة، مما يؤكد مكانته الاستثنائية كصرح تاريخي بارز ضمن المعالم العمرانية العربية والإسلامية.
تتجلى القيمة المعمارية والثقافية للجامع الأموي في تصميمه الفريد الذي يضم الحرم والصحن والرواق، وفي معالمه الأيقونية مثل قبة النسر، ومئذنة العروس، والفسيفساء الزجاجية الملونة، وضريح النبي يحيى عليه السلام. يضاف إلى ذلك موقعه التاريخي الذي شهد تعاقب حضارات عديدة على مدى آلاف السنين. هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل معمارية، بل هي مكونات لذاكرة مكانية وروحية عميقة، جعلت من الجامع الأموي ملتقى للعبادة والعلم، والفن والتاريخ، والعمارة والهوية. فمن صحنه الفسيح إلى مآذنه الشاهقة، ومن أروقته المزخرفة، يروي الجامع جزءاً من سيرة دمشق كمدينة حافظت على طبقات تاريخها في الحجر والضوء والذاكرة. إن هذا الحضور المتجدد للجامع الأموي في السجلات العربية والإسلامية يؤكد قيمته التاريخية والأثرية، بوصفه شاهداً حياً على تطور العمارة الإسلامية، ومعلماً يجسد العمق الحضاري لسوريا ومكانة دمشق في الذاكرة الإنسانية، ويبرز أهمية صون التراث السوري والتعريف به ونقله للأجيال القادمة كإرث إنساني يتجاوز حدود المكان.
ثقافة
ثقافة
سياسة
ثقافة