وليد سيف يختتم ملحمته الأندلسية برواية "غرناطة.. آخر الأيام": إعادة قراءة لسقوط الأندلس ومصيرها


هذا الخبر بعنوان "قراءة في رواية (غرناطة..آخر الأيام) .. وليد سيف يختتم ملحمته الأندلسية بسؤال السقوط والمصير" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: في لحظة تسليم مفاتيح مدينة غرناطة، لا يكتفي الكاتب وليد سيف بتوثيق نهاية مدينة فحسب، بل يطرح سؤالاً جوهرياً وقاسياً حول معنى السقوط والمصير الذي تواجهه الدول حين تنهكها الانقسامات الداخلية قبل أن يطرق الأعداء أبوابها من الخارج.
يواصل الكاتب والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف، من خلال روايته الجديدة "غرناطة… آخر الأيام"، مشروعه الإبداعي في استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس. تُعد هذه الرواية خاتمة لرباعيته الأندلسية، التي سبقتها أعماله "صقر قريش" بجزأيه، و"مواعيد قرطبة"، و"خريف إشبيلية". يُذكر أن ثلاثة من هذه الأعمال قد أُنجزت للشاشة الصغيرة بالتعاون مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.
تتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، مستعرضة السنوات الأخيرة من حكم بني نصر في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين. هذه اللحظة التاريخية وضعت حداً لثمانية قرون من الحضور العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية.
يفتتح الكاتب روايته بمقطع يعكس مرارة المنفى وأفول السلطة، حيث يقول على لسان بطله: "مواطئ أقدام العامة خيرٌ من مجلس السلطان". يشير هذا الاقتباس إلى التحول القاسي الذي يشهده البطل من سلطان يحكم غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.
يقدم وليد سيف في روايته شخصية محمد بن علي بن سعد النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، برؤية مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس. فالرواية لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل نتيجة لتراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.
يناقش الكاتب، عبر صوت أبي عبد الله نفسه، مفهوم المسؤولية التاريخية ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي ارتبطت بذاكرة سقوط غرناطة. ومن هذه الروايات المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة الحرة: "ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال". ينفي بطل الرواية صحة هذه المقولة، مقدماً والدته كشخصية سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.
في هذا السياق، أشار الناقد أحمد الشريقي، في مقال نشره موقع الجزيرة عام 2025، إلى أن وليد سيف قدّم شخصية أبي عبد الله الصغير برؤية تاريخية مغايرة. سعى سيف من خلالها إلى تخليصه من الصورة النمطية التي حمّلته وحده مسؤولية سقوط الأندلس. ووفقاً لهذه القراءة، فإن ضياع غرناطة لم يكن فعلاً فردياً معزولاً، بل نتيجة قرون من التصدع السياسي والانقسامات الداخلية والتراجع الحضاري.
تمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.
تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام. في المقابل، تحضر قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح النص بعده الإنساني، ليقدم الكاتب من خلالها مدينة غرناطة كعالم كامل يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.
كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع يهدف إلى توحيد إسبانيا تحت سلطتها وطرد العرب واليهود منها.
وفي مقابل ضعف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع.
يبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب وانقسامهم.
يُشار إلى أن رواية "غرناطة.. آخر الأيام" صدرت عام 2025 عن الأهلية للنشر والتوزيع في الأردن، وتقع في 565 صفحة من القطع المتوسط.
أما الكاتب وليد سيف، فهو من مواليد طولكرم سنة 1948، ويُعد من أبرز كتّاب الدراما التاريخية العربية. قدّم خلال مسيرته أعمالاً بارزة، من أشهرها الرباعية الأندلسية ومسلسل "عمر"، إلى جانب دواوين شعرية وأعمال فكرية ونقدية متعددة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة