مركز الأورام في درعا: بصيص أمل لمرضى السرطان في الجنوب السوري يواجه تحديات نقص الأدوية وتكاليف العلاج الباهظة


هذا الخبر بعنوان "مركز الأورام في درعا.. نافذة علاج لآلاف المرضى وسط تحديات نقص الأدوية وارتفاع الإصابات" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما تلقت فايزة العنتبلي تشخيص سرطان الثدي، لم يكن خوفها مقتصراً على المرض بحد ذاته، بل امتد ليشمل الرحلة الشاقة التي اعتاد مرضى السرطان في الجنوب السوري خوضها بحثاً عن العلاج. فقبل افتتاح مركز الأورام في درعا، كان الحصول على الجرعات العلاجية أو متابعة الحالة الصحية يتطلب السفر إلى دمشق، مما يضيف تكاليف باهظة تفوق قدرة العديد من العائلات.
تروي فايزة أنها تلقت ست جرعات علاجية في مركز الأورام بدرعا قبل أن تُحال إلى دمشق لإجراء عملية جراحية. وتوضح أن الجرعات التي حصلت عليها في المركز كانت مجانية بالكامل، إلا أنها اضطرت في مراحل لاحقة من العلاج إلى شراء أدوية مناعية على نفقتها الخاصة بسبب عدم توفرها آنذاك. ووفقاً لفايزة، بلغت تكلفة الجرعة المناعية الواحدة حوالي 900 دولار أمريكي، وقد احتاجت إلى خمس جرعات من هذا النوع خلال فترة علاجها. كما كلفت العملية الجراحية التي خضعت لها في دمشق نحو ثمانية ملايين ليرة سورية، بالإضافة إلى ما يقارب نصف مليون ليرة ثمناً للأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة أثناء العملية. ورغم هذه الأعباء المالية الكبيرة، ترى فايزة أن وجود المركز خفف جزءاً كبيراً من معاناة المرضى، سواء من حيث التكاليف أو مشقة التنقل. وتضيف أن الكادر الطبي والتمريضي لعب دوراً محورياً في دعم المرضى نفسياً خلال رحلة العلاج، مشيرة إلى أن الخوف الذي رافقها عند اكتشاف المرض تراجع تدريجياً بفضل المتابعة الطبية والدعم الذي تلقته داخل المركز.
قصة فايزة ليست استثناءً في محافظة تشهد تزايداً ملحوظاً في الحاجة إلى خدمات علاج الأورام. فبحسب أحدث تقديرات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، تسجل سوريا سنوياً نحو 22 ألف إصابة جديدة بالسرطان، فيما يعيش عشرات الآلاف من المرضى مع المرض في مراحله المختلفة. وتظهر البيانات أن سرطان الثدي يتصدر قائمة الإصابات بين النساء، بينما تعد سرطانات الرئة والقولون والمعدة من أكثر الأورام انتشاراً على مستوى البلاد.
يؤكد مدير مركز الأورام في درعا، الدكتور علاء النابلسي، أن المركز يقدم خدماته اليوم لأكثر من 80 في المئة من مرضى السرطان في المحافظة بشكل مجاني، مما يجعله أحد أبرز المرافق الصحية المتخصصة في جنوب سوريا. ويشير الدكتور النابلسي إلى أن سرطانات الثدي والمعدة والقولون تشكل النسبة الأكبر من الحالات التي تستقبلها العيادات يومياً، موضحاً أن تزايد أعداد الإصابات يفرض تحديات مستمرة على قدرة المركز على تأمين بعض العلاجات المتخصصة.
ويضيف أن النقص لا يشمل جميع الأدوية، بل يتركز أحياناً في بعض العلاجات النوعية والأدوية المناعية مرتفعة التكلفة، وهي أدوية يحتاجها عدد من المرضى ضمن بروتوكولات علاجية محددة. ويؤكد أن المركز تمكن خلال الفترة الماضية من توفير جزء من هذه العلاجات، الأمر الذي خفف أعباء مالية كبيرة عن المرضى الذين كانوا يضطرون إلى شرائها من السوق على نفقتهم الخاصة. ويرى الدكتور النابلسي أن الأثر الأهم للمركز لا يقتصر على تقديم العلاج، بل يتمثل أيضاً في تقليص المسافات التي كان المرضى يقطعونها للحصول على الرعاية الطبية. فالكثير من المرضى باتوا اليوم يتلقون الجرعات العلاجية والمتابعة الدورية داخل المحافظة، بدلاً من السفر المتكرر إلى العاصمة وما يرافقه من تكاليف ومشقة إضافية.
لكن الخدمات المتاحة ما تزال محدودة مقارنة بالاحتياجات الفعلية. فبحسب مدير مشفى درعا الوطني، الدكتور نزار رشدان، يغطي المركز حالياً علاج ثمانية أنواع من السرطان، من بينها سرطان الثدي وبعض سرطانات الدم، ويركز بشكل أساسي على تقديم العلاج الكيميائي للمرضى. ويوضح الدكتور رشدان أن المركز أُنشئ بإشراف مديرية صحة درعا وبدعم من منظمة "الجمعية الطبية السورية الأميركية" (سامز)، بينما لا تتلقى مديرية الصحة حالياً دعماً مباشراً من وزارة الصحة مخصصاً لعلاج مرضى السرطان.
ويشير إلى أن خدمات العلاج الشعاعي والعديد من التدخلات الجراحية التخصصية ما تزال غير متاحة داخل المحافظة، مما يضطر المرضى إلى استكمال جزء من رحلة علاجهم في دمشق أو محافظات أخرى تضم مراكز أكثر تخصصاً. كما يؤكد أن إنشاء مراكز أورام متكاملة جديدة يبقى مرتبطاً بخطط وزارة الصحة وأولوياتها على مستوى البلاد، والتي تأخذ في الاعتبار عدد المرضى والكثافة السكانية وبعد المناطق عن المراكز القائمة. ويرى أن مناطق أخرى في سوريا، ولا سيما في الشرق والشمال الشرقي، تواجه تحديات أكبر في الوصول إلى خدمات علاج السرطان بسبب المسافات الطويلة وقلة المراكز المتخصصة.
في محافظة عانت لسنوات من تراجع الخدمات الصحية، يمثل مركز الأورام في درعا خطوة مهمة نحو تقريب العلاج من المرضى. غير أن استمرار ارتفاع أعداد الإصابات، والحاجة إلى توسيع الخدمات العلاجية وتأمين الأدوية المتخصصة بشكل مستدام، يطرح تحديات جديدة أمام القطاع الصحي، في وقت بات فيه السرطان أحد أكثر الأمراض استنزافاً للأسر السورية من الناحيتين الصحية والاقتصادية.
اقتصاد
صحة
صحة
صحة