من حملة "لست شجرة" إلى منطق الثأر: كيف يهدد خطاب الكراهية بإعادة إنتاج الكارثة في سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "من “لست شجرة” إلى منطق الثأر.. كيف نعيد إنتاج الكارثة بأيدينا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل سنوات، رفع السوريون في كفرنبل لافتة صغيرة ذات معنى عميق: "لسنا طائفيين ولسنا إقصائيين… لأنها ساحات الحرية وتحت سقف الوطن مرحب بالجميع". لم تكن هذه العبارة مجرد شعار عابر، بل كانت تلخيصًا لفكرة أساسية أراد السوريون الدفاع عنها في مواجهة نظام بنى جزءًا كبيرًا من سلطته على تقسيم الناس وتصنيفهم ومعاقبتهم بناءً على هوياتهم وانتماءاتهم، لا على أفعالهم.
لهذا السبب تحديدًا، راقب الكاتب حازم داكل بقلق بالغ ما صاحب حملة "لست شجرة" خلال الأيام الماضية. فالألم والغضب وحق الضحايا وأهاليهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمحاسبة هي أمور مفهومة وغير قابلة للنقاش. لكن المشكلة تكمن في أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الذي رافق الحملة لم يكن موجهًا ضد مجرمين محددين أو متورطين معروفين أو مسؤولين يجب أن يمثلوا أمام القضاء، بل كان موجهًا ضد العلويين بوصفهم جماعة كاملة.
من حق أي سوري أن يطالب بمحاسبة القتلة ورفض الإفلات من العقاب والبحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة أو محرجة. لكن لا يملك أحد الحق في تحويل ملايين البشر إلى متهمين لمجرد انتمائهم إلى طائفة أو منطقة أو خلفية اجتماعية معينة. ما يثير القلق أكثر هو أن هذا الخطاب لا يظهر من فراغ. فسوريا تشهد منذ أشهر تصاعدًا واضحًا في منسوب التحريض داخل الفضاء العام، حيث تبني شخصيات حضورها على التخوين، وتحقق منصات انتشارها من خلال شيطنة المختلف، وترتفع أصوات كلما كانت أكثر حدة وقدرة على إثارة الغضب والانقسام. يبدو وكأن الطريق الأسرع إلى الشهرة أو النفوذ أو القرب من دوائر القرار لم يعد يمر عبر الكفاءة أو المعرفة أو تقديم الحلول، بل عبر التحريض والمزاودة والصراخ الأعلى.
الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء المحرضين لا تتم محاسبتهم، بل يتحولون أحيانًا إلى وجوه عامة ومتحدثين باسم المرحلة الجديدة، يظهرون في اللقاءات الرسمية وعلى الشاشات وفي الصفوف الأولى للمناسبات العامة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود التحريض مجرد سلوك فردي، بل يتحول تدريجيًا إلى ثقافة يتم التساهل معها وربما مكافأتها أيضًا. إن حملة "لست شجرة" ليست المشكلة بحد ذاتها، بل هي مجرد عرض لمرض أعمق. ما يقلق حقًا ليس الوسم نفسه، بل ما يكشفه من مزاج عام يتشكل أمامنا، حيث ما زال التحريض موجودًا، وأحيانًا يبدو أنه يُكافأ أكثر مما يُحاسب. وقد تحولت العدالة في كثير من الأحيان إلى قضية موسمية ترتفع مع الترند ثم تختفي معه، بينما تبدو الحقيقة، التي يفترض أن نبني عليها أي مصالحة أو تعايش مستقبلي، آخر ما نفكر فيه.
هذه القضايا ليست منفصلة عن بعضها البعض. فعندما ينتشر التحريض دون محاسبة، يترسخ شعور بالإفلات من العقاب. وعندما يشعر الناس أن العدالة انتقائية أو مؤجلة أو خاضعة للتوازنات، تبدأ ثقتهم بالدولة ومؤسساتها بالتآكل. والمشكلة أن الناس لا تعود إلى الطائفة بالضرورة لأنها تحب الطائفية، بل عندما تفقد ثقتها بالدولة. تعود إلى العشيرة عندما تشك بأن القانون لن يحميها، وتبحث عن النفوذ أو السلاح عندما تشعر أن العدالة لم تعد متاحة للجميع. وهكذا تبدأ الدول بالتراجع، ليس بقرار واحد أو بانقلاب كبير، بل بانسحاب بطيء للثقة من المجال العام.
الخطر الأكبر، برأي الكاتب، ليس وجود المحرضين وحدهم، بل أن يفقد السوريون ثقتهم بإمكانية الحصول على حقوقهم عبر القانون. عندما يشعر المواطن أن الحقيقة يمكن أن تُدفن إذا كانت محرجة، وأن بعض الأشخاص فوق المساءلة، وأن العدالة لا تُطبق على الجميع بالمعايير نفسها، يبدأ منطق آخر بالظهور: منطق الثأر. والثأر لا يبدأ دائمًا بالسلاح، بل أحيانًا بكلمة، بمنشور، بإهانة جماعية، بخطاب كراهية، برغبة دفينة في الانتقام، أو بفكرة بسيطة تقول إن جماعة كاملة يجب أن تدفع ثمن ما فعله بعض أفرادها. ولذلك، فإن أخطر ما في حملة "لست شجرة" ليس فقط ما قيل فيها، بل الرسالة التي قد تكرسها: أن الانتماء الطائفي يمكن أن يصبح قرينة اتهام، وأن المسؤولية الجماعية يمكن أن تحل محل المسؤولية الفردية. هذه ليست عدالة، بل نقيض العدالة.
سوريا اليوم ليست بلدًا مستقرًا يمكنه تحمل هذا النوع من الخطاب. فقد خرجت للتو من حرب طويلة، وما زالت ذاكرة الضحايا مفتوحة، وما زال السلاح منتشرًا، وما زالت الثقة بين السوريين هشة ومجروحة. في مثل هذا الواقع، لا تبقى الكلمات مجرد كلمات؛ فالكلمة قد تصبح تحريضًا، والتحريض قد يتحول إلى مناخ عام، وهذا المناخ قد يتحول إلى عنف في أي لحظة. إذا كنا فعلًا نريد بناء سوريا جديدة، فعلينا أن نرفض هذا المنطق مهما كان الطرف المستهدف به، لأن المعيار الأخلاقي لا يُختبر عندما ندافع عن من يشبهوننا، بل عندما ندافع عن المبدأ نفسه حتى مع من نختلف معهم أو نحمل تجاههم مشاعر الغضب والألم.
المطلوب اليوم ليس حماية العلويين فقط، ولا حماية أي جماعة أخرى بعينها، بل المطلوب حماية فكرة المواطنة نفسها. حماية فكرة أن الإنسان يُحاسب على ما فعل، لا على ما وُلد عليه، وأن الدولة يجب أن ترى مواطنيها كأفراد متساوين أمام القانون، لا كطوائف متقابلة تتبادل الاتهامات والثأر. والمطلوب أيضًا أن تحاسب الدولة من يشيطن ويخون ويدعو إلى الإقصاء والتحريض، لا أن تتسامح معه أو تمنحه شرعية إضافية.
أكثر ما يخشاه الكاتب اليوم ليس المحرّضين أنفسهم، فهم موجودون في كل المجتمعات، بل أن نعتاد وجودهم، وأن نتوقف عن الاعتراض عليهم، وأن يصبح كلامهم جزءًا طبيعيًا من المشهد اليومي. عندها فقط تبدأ الكارثة الحقيقية، فالدول لا تنهار عندما ينتشر السلاح فقط، بل عندما يصبح خطاب الكراهية مقبولًا، وعندما يتحول الانتقام إلى بديل عن القانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة