العدالة الفردية في سوريا: رفض التعميم الطائفي ومحاسبة المجرمين لا المكونات الاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "العدالة لا تُبنى على التعميم..!!(2)..محاسبة المجرمين لا تعني إدانة المكونات الاجتماعية أبداً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد رئيس التحرير، هيثم يحيى محمد، على أن "الخوف في ظل الاستبداد ليس جريمة، والصمت ليس دليلاً على المشاركة، والتعميم الطائفي شكل من أشكال الظلم". ويأتي هذا التأكيد استكمالاً لافتتاحية سابقة نُشرت يوم الأحد الماضي تحت عنوان "لا تُحاسَب المكونات الاجتماعية… بل يُحاسَب المجرمون"، حيث شدد فيها على الموقف المبدئي الرافض لتحميل أي مكون اجتماعي أو طائفة أو جماعة بشرية مسؤولية جرائم يرتكبها أفراد أو مؤسسات أو سلطات. ورغم الصدى الإيجابي الذي لاقته الافتتاحية لدى غالبية القراء من مختلف مكونات المجتمع السوري، إلا أن بعض التعليقات اتجهت نحو التحريض الطائفي والاتهام الجماعي، مما استدعى العودة لتأكيد الفكرة ذاتها، خاصة مع استمرار هذا الخطاب كلما كُشفت جريمة أو أُلقي القبض على مجرم.
يعرب هيثم يحيى محمد عن احترامه لغضب كل من تضرر من جرائم النظام السابق، وتفهمه لحجم الألم الذي خلفته سنوات الثورة والحرب وما رافقها من مآسٍ وانتهاكات. لكنه يوضح أن رفض التعميم الطائفي أو الجماعي لا يعني بأي حال تبرئة أي مجرم، أو إنكار أي جريمة، أو التقليل من معاناة الضحايا، بل هو تمسك بمبدأ العدالة ذاته. ويؤكد أن إدانة جرائم نظام الأسد وأي جرائم أخرى ارتُكبت على الأرض السورية لا تستلزم إدانة كل من ينتمي إلى طائفة معينة. فالمحاسبة يجب أن تكون فردية وعادلة، لا جماعية وعشوائية، إذ تقوم العدالة على تحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين الحقيقيين، وليس على تعميم الاتهام والكراهية على ملايين البشر بناءً على هوياتهم أو انتماءاتهم.
يقر الكاتب بحق أي شخص في الاختلاف معه أو انتقاد مواقفه السابقة أو الحالية، معتبراً ذلك حقاً مشروعاً. لكنه يشدد على أن هذا لا يغير من صحة مبدأ العدالة، الذي لا يتبدل بتغير المواقف السياسية ولا يقاس بحجم الغضب أو الألم، مهما كان مبرراً. ويضيف أن إدانة الجرائم واجب أخلاقي وقانوني، وأن اختلاف السوريين في مواقفهم من النظام وسياساته خلال السنوات الماضية أمر واقع. إلا أن جوهر النقاش ليس الدفاع عن النظام أو عن أي مرتكب جريمة، بل هو رفض معاقبة أو شيطنة جماعة كاملة بسبب أفعال بعض أفرادها، فالعدالة فردية، بينما التعميم الطائفي ليس إلا شكلاً آخر من أشكال الظلم.
ويوضح المقال أن الصمت تحت وطأة الخوف لا يعد دليلاً على التأييد، وأن عدم المعارضة العلنية لا يعني المشاركة في الجريمة، خاصة في ظل نظام كان يعرّض معارضيه للاعتقال أو الاختفاء القسري أو القتل. ويؤكد أنه ليس من العدل اعتبار كل من بقي في سوريا أو لم يعلن معارضته للنظام شريكاً في جرائمه، فقد عاش الكثيرون سنوات طويلة تحت التهديد، وكان ثمن الاعتراض السجن أو الاختفاء أو الموت. ففي الأنظمة الاستبدادية، لا تُقاس المواقف بما يُعلن فقط، لأن حرية التعبير ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. وبالتالي، فإن غياب المعارضة العلنية لا يكفي لإدانة الأفراد، كما أن وجود ضحايا من مختلف الانتماءات يبرهن على أن الخوف كان يسيطر على الجميع دون استثناء.
ويشير المقال إلى أهمية إدراك أن العديد من السوريين لم يكونوا على دراية كاملة بما كان يحدث داخل الأفرع الأمنية ومراكز الاحتجاز، نظراً للبيئة الإعلامية المغلقة والسيطرة الشبه كاملة على مصادر المعلومات. فبعضهم اعتقد أن ما يجري هو مواجهة لجماعات مسلحة أو تنظيمات إرهابية، خاصة في ظل الخطاب الرسمي السائد آنذاك وما رافقه من تصنيفات دولية لبعض التنظيمات المتطرفة. وهذا لا ينفي وقوع جرائم وانتهاكات جسيمة بحق الأبرياء أو يبررها، لكنه يفسر تباين قراءات الناس للأحداث وعدم تساوي جميع المواطنين في مستوى المعرفة بحقيقة ما كان يجري. فالمعرفة بالجرائم والمسؤولية عنها لا تُفترض تلقائياً بحق كل من عاش تحت سلطة النظام أو سمع روايته، بل يجب التمييز بين من ارتكب الجريمة أو شارك فيها أو علم بها وتستر عليها، وبين من افتقر للمعلومات الكافية أو كان أسيراً لرواية أحادية المصدر.
ويشدد المقال على أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية تقع على من ارتكب الجريمة أو أمر بها أو شارك فيها أو حرّض عليها، وليس على كل من عاش تحت سلطة النظام أو اضطر للتكيف مع ظروف فرضتها عليه معادلات القوة والخوف والبقاء. ويفرق بين الصمت في الدول الديمقراطية كونه موقفاً سياسياً، وبين الصمت في الأنظمة الأمنية والقمعية كونه وسيلة للبقاء على قيد الحياة. لذلك، لا يجوز تحويل الخوف إلى تهمة، ولا الصمت إلى إدانة. فبناء العدالة لا يمكن أن يتم بنفس المنطق الذي أنتج الظلم. وإذا كان رفض إدانة الأبرياء بسبب انتمائهم مبدأً، فيجب رفضه أياً كانت الجهة المستهدفة أو الظروف. فالخوف من سلطة قمعية ليس جريمة، والنجاة في ظروف الاستبداد ليست تهمة. وليس كل من صمت كان مؤيداً، كما أن ليس كل من تكلم كان قادراً على تغيير الواقع، فظروف الناس وقدراتهم والمخاطر التي واجهوها لم تكن متساوية.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن العدالة الحقيقية تسعى لتحديد من فعل وحرّض وأمر وشارك في الجرائم، بينما التعميم يسعى لتحميل جماعة كاملة الذنب بصورة جماعية. ويشدد على وجود فرق جوهري بين العدالة والتعميم يجب ألا يُغفل إذا كان الهدف بناء دولة قانون ومواطنة ومؤسسات. فليس من المقبول الانتقال من تحميل الفرد مسؤولية أفعاله إلى تحميل الناس مسؤولية هوياتهم، أو استبدال ظلم بظلم آخر، أو كراهية بكراهية مضادة.
ويحذر الكاتب من أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الصراعات هو التحول من ظلم الأفراد إلى ظلم الجماعات، ومن محاسبة المسؤولين إلى اتهام الناس بناءً على هوياتهم. فالمجتمعات لا تُبنى على الثأر الجماعي، بل على العدالة التي تميز بين المذنب والبريء، وبين المسؤول عن الجريمة ومن لا علاقة له بها. ويؤكد أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على الاتهامات الشاملة أو الكراهية المتبادلة، بل على العدالة والمحاسبة وسيادة القانون، وعلى التمييز الواضح بين المجرمين الذين يجب أن يحاسبوا، وبين ملايين المواطنين الذين لا يجوز تحويلهم إلى مدانين بسبب انتماءاتهم أو هوياتهم الاجتماعية. (المصدر: موقع أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة