شهادة حية من 5 حزيران 2011: بين رصاص العودة وامتحان البكالوريا.. قصة كفاح بالدم والعلم


هذا الخبر بعنوان "خلف الساتر، والامتحان، والدم.. شهادة حية من 5 حزيران 2011" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مثل هذه الأيام من عام 2011، وتحديداً في ذكرى النكسة الموافق 5 حزيران، لم يكن التخطيط لصناعة التاريخ هو الدافع، بل كانت القلوب المثقلة بالوجع هي المحرك، يغذيها الحنين الجارف الذي يتوارثه اللاجئ الفلسطيني خلف الحدود. إنه حلم العودة الذي لا يحده سلك شائك ولا يوقفه رصاص.
توجهنا كلاجئين إلى قرية عين التينة، الواقعة قبالة مجدل شمس على الحدود مع الجولان المحتل، لنؤكد أن الأرض أرضنا مهما طال الغياب. كانت تلك المرة الثانية التي نزحف فيها نحو الأسلاك بعد ذكرى النكبة من العام نفسه، عندما نجح الشبان في اختراق السلك والوصول إلى قلب مجدل شمس، ما دفع الاحتلال حينها للتوغل في المنطقة الفاصلة وبناء ساتر ترابي ضخم وتعزيز حراسته العسكرية، خوفاً من طوفان الأجساد العارية التي لا تملك سوى حقها المغتصب.
ذهبتُ يومها، والوجع يملأ صدري عقب ورود نبأ استشهاد صديقي محمود صوان. كنا نواجه الرصاص الحي، وتجاوزتُ الساتر الترابي الضخم لتتقطع السبل بي وبعمود من الشبان، فاحتمينا خلف تلة صغيرة تحت وابل كثيف من الرصاص. كان كل همي في تلك اللحظة أن أغرس علم فلسطين فوق التلة ليرفرف في وجه الريح ويشهد على حقنا، ثم أغادر، فقد كان ينتظرني في اليوم التالي امتحان الشهادة الثانوية (البكالوريا). قلت لنفسي: "سأغرس العلم، وأعود فوراً للمنزل لأدرس".
لكن الموت كان أسرع. أمام عيني، تقدم الشهيد فايز عباسي زحفاً نحو قوات الاحتلال، تلقى رصاصة في قلبه واستشهد على الفور. كنت الشاهد العيان الوحيد على لحظاته الأخيرة. تغير المشهد في ثوانٍ ليصبح كالتالي: قوات جيش الاحتلال، يفصلها أمتار عن جثمان الشهيد فايز، ثم التلة الصغيرة التي أقف خلفها أنا والعلم، ثم الساتر الترابي الكبير، وخلفه جموع اللاجئين. كان الجثمان قريباً من قوات الاحتلال وبعيداً عن الحشود، وكان فايز يرتدي بدلة عسكرية، ما يعني أن الاحتلال سيعتقله حياً أو ميتاً ليختفي في مقابر الأرقام للأبد، ويُحرم من قبر يحمل اسمه في أرض اللجوء التي احتضنته.
لم أفكر في الامتحان، ولم أفكر في الرصاص. نزلت زحفاً بين الأعشاب الندية لأسحب جثمانه. قطعت المسافة تحت قصف الرصاص الذي كنت أسمع دويّه يملأ المكان دون أن أدرك أنه يستهدفني أنا شخصياً. وصلت إلى قدميه، أمسكتهما، وبدأت أجر جسده إلى الخلف، نحو التلة الصغيرة. عندما أنجزت المهمة واستقر الجثمان في أمان التلة، سمعت صوتاً من خلفي يناديني بلهفة: "هل أُصبت؟". أجبت بعفوية: "لا أعلم".. نظرت إلى بطني، فإذا بالدماء تسيل بغزارة. في تلك اللحظة فقط، أدركت أن الرصاص قد نال مني، وغبت عن الوعي.
استيقظت في المستشفى مسعفاً. غاب عني امتحان الشهادة الثانوية في اليوم التالي، وتأخرت عنه لعدة شهور، لكنني عدت وقدمته وحققت فيه تفوقاً. تلك الرصاصة التي أرادت إنهاء كل شيء، كانت بداية لرحلة عناد وكفاح امتدت خمسة عشر عاماً؛ تخرجتُ أولاً عام 2017 بشهادة البكالوريوس في الاقتصاد (قسم المحاسبة)، ولم أكتفِ، بل دفعني الشغف والصحافة لأتخرج عام 2025 بشهادة البكالوريوس في الإعلام بتفوق، واليوم، أتابع طريقي كطالب في ماجستير الإعلام الإلكتروني؛ لأننا كفلسطينيين نقاتل بالوعي والعلم كما نقاتل بالجسد.
مضت السنوات، وبقيت الذاكرة طازجة كدم ذلك اليوم. أثر الرصاص ما زال نيشاناً محفوراً على جسدي، يذكرني كلما نظرت إليه بأن حقيبة الامتحان التي تركتها في المنزل يومها، لم تضع، بل تحولت إلى مسيرة علم وعمل سُقيت بالدم والجهد.. مسيرة تصب كلها في مجرى واحد: أننا هنا، باقون، نحمل فلسطين في قلوبنا أينما ذهبنا، ونورث حلم العودة جيلاً بعد جيل. عاد فايز لأهله ليدفن بكرامة، وبقيتُ أنا لأروي الحكاية.. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة