اللجاة السورية: كنز جيولوجي وتراثي يعود إلى خارطة التراث العالمي عبر إيسيسكو بعد 14 عاماً


هذا الخبر بعنوان "اللجاة.. متحف بازلتي مفتوح يعيد حضوره على خارطة التراث العالمي عبر إيسيسكو" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تمتد منطقة اللجاة، الواقعة بين محافظتي درعا والسويداء في جنوب سوريا، كصفحة بازلتية سوداء فريدة، حيث تتجاور الصخور البركانية الصلدة مع المغاور الطبيعية والشقوق العميقة، مشكلة مشهداً يختزن ذاكرة المكان وقسوته وجماله في آن واحد. وتُسلط زاوية نبض التراث في سانا الثقافية الضوء على اللجاة، بوصفها إحدى أغنى المناطق السورية بالتنوع الطبيعي والأثري والتراثي، ومتحفاً بازلتياً مفتوحاً تحولت وعورته عبر العصور من سمة طبيعية إلى حصن حافظ على جانب مهم من إرث المكان وشواهده، وجمع بين الظاهرة الجيولوجية الفريدة والحضور الإنساني الحي في ذاكرة سكانها وعاداتهم وفنونهم الشعبية.
تُعد اللجاة، المعروفة تاريخياً باسم تراخونيتد، من أكبر الحقول البركانية في جنوب سوريا وفق الموسوعات الجغرافية، وتمتد على مساحة تقارب 900 كيلومتر مربع بين محافظتي درعا والسويداء. تتميز بطبيعتها الصخرية الوعرة وشقوقها ومغاورها التي منحتها عبر التاريخ حصانة دفاعية طبيعية، وأسهمت في حماية العديد من شواهدها الأثرية والطبيعية. ويأتي إدراج موقع اللجاة على قائمة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” بعد انقطاع دام 14 عاماً عن تسجيل المواقع السورية، ليعيد تسليط الضوء على فرادة هذا الموقع، ويؤكد المكانة الحضارية للموروث السوري على المستويين الإقليمي والدولي.
أوضح رئيس دائرة آثار درعا، الدكتور محمد نصر الله، في حديث مع سانا الثقافية، أن اللجاة تُعد من أبرز الظواهر الجيولوجية في المنطقة، وتُعرف علمياً باسم “الحرّة السوداء”. وقد تشكلت نتيجة تدفقات الحمم البركانية القادمة من براكين جبل العرب الخامدة قبل ملايين السنين، ما أوجد مشهداً طبيعياً استثنائياً يتألف من صبات بازلتية صلبة، وتلال متموجة، وأودية صخرية عميقة، ومخاريط بركانية، وخفان أسود. وأشار إلى أن فرادة الموقع لا تقتصر على قيمته الجيولوجية، بل تمتد لتشمل قيمته البيئية والثقافية والأثرية، ما جعله من المواقع النادرة التي تجمع بين التراث الطبيعي والتراث الإنساني في آن واحد.
لم تكن الطبيعة الصخرية الصعبة في اللجاة مجرد ظاهرة جيولوجية نادرة، بل شكلت عبر العصور حاضنة للاستقرار البشري، ومجالاً لتراكم طبقات متعددة من التاريخ. فالمنطقة تضم أكثر من 500 موقع أثري، يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ والعصر البرونزي، وصولاً إلى العهود اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وبذلك بقيت شواهد عمرانية وأثرية كثيرة توثق تعاقب الحضارات على هذه البقعة من جنوب سوريا.
تتوزع المواقع الأثرية في اللجاة على مساحات واسعة من المنطقة، وتشمل مواقع تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، من بينها مواقع العصر البرونزي، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتنتشر على الأطراف الداخلية والخارجية، وتضم تسعة مواقع أساسية، أبرزها: خربة لبوة، وتل دبة بريكة، وكوم الصوان، وكوم المغاربة، وكوم الرمان، وموقع الشرايع في الشمال الشرقي.
ومن أبرز المواقع الأثرية في المنطقة الموقع الأثري “سحر اللجاة”، الواقع شرق بلدة المسمية، حيث عُثر فيه على معبد يوناني قديم ومسرح روماني صغير للموسيقا، إلى جانب أكثر من 3000 قطعة ومنحوتة أثرية متقنة لتماثيل بشرية وحيوانية وعربات تجرها الأسود. كما تضم اللجاة مدناً وقرى أثرية متكاملة، مثل بلدة المسمية العائدة إلى الفترة الرومانية، ومواقع شعارة، وأم الزيتون، وإزرع، التي تضم كنيسة القديس جاورجيوس الأثرية، إضافة إلى قصور وقلاع وأبراج مراقبة وآبار مياه محفورة في الصخر البازلتي، ما يعكس تنوع الوظائف العمرانية والدفاعية والمعيشية التي عرفتها المنطقة عبر تاريخها الطويل.
أشار نصر الله إلى أن عدداً من المواقع الأثرية في اللجاة تعرض خلال سنوات الثورة لأعمال قصف وتخريب من قوات النظام البائد والميليشيات المتحالفة معه، كان من بينها موقع قرية الطف الأثرية، الذي تعرض للتفجير والتدمير، ما ألحق أضراراً ببعض المعالم التاريخية. وأكد أن الجهات المختصة تعمل على توثيق هذه الأضرار، ووضع خطط للحفاظ على ما تبقى من الموروث الأثري في المنطقة، بما يسهم في حماية شواهدها التاريخية وصونها للأجيال القادمة.
عن الأهمية البيئية للمنطقة، أوضح نصر الله أن اللجاة أُعلنت محمية حراجية طبيعية عام 2006 على مساحة نحو 2000 هكتار، قبل أن تعتمدها منظمة اليونسكو عام 2009 كأول محمية سورية ضمن الشبكة العالمية لمحميات الإنسان والمحيط الحيوي. وأضاف: إن المنطقة تحتضن تنوعاً نباتياً مميزاً يضم أنواعاً نادرة ومتوطنة، منها البطم الأطلسي واللوز البري والزعرور والسوسن الحوراني النادر، إلى جانب تنوع حيواني مهم يشمل الضبع المخطط والذئب والثعلب والغرير الأوراسي. كما تضم اللجاة أكثر من 42 نوعاً من الطيور المهاجرة والمستوطنة، جرى توثيقها بالتعاون مع الجمعية الملكية البريطانية لحماية الطبيعة، ما يمنح الموقع أهمية بيئية وعلمية إضافية.
لا تقتصر قيمة اللجاة، كما ذكر مدير آثار درعا، على الآثار والطبيعة، بل تشمل أيضاً تراثاً ثقافياً حياً ما زال حاضراً في حياة سكانها، حيث يغلب عليها الطابع البدوي، وتنتشر فيها تقاليد الكرم والضيافة والعادات الحورانية الأصيلة. وأشار إلى أن المنطقة تشتهر بالشعر النبطي والأغاني التراثية الجنوبية مثل الهجيني والجوفية والعتابا والدبكة الحورانية، وهي عناصر من التراث الشفهي المتوارث التي تشكل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية للمنطقة، وتمنح المكان بعده الإنساني إلى جانب قيمته الأثرية والطبيعية.
يشكل إدراج اللجاة على قائمة إيسيسكو محطة مهمة في مسار التعريف بالتراث السوري، ويعزز فرص حماية الموقع واستثماره ثقافياً وسياحياً وبحثياً، بما يليق بمكانته بوصفه واحداً من أبرز المشاهد الطبيعية والأثرية الفريدة في سوريا والمنطقة. وبين مغاورها وقراها الأثرية وتراث أهلها الشفهي، تبدو اللجاة أكثر من موقع طبيعي أو أثري، فهي ذاكرة مفتوحة على طبقات متعاقبة من التاريخ، وشاهد على قدرة المكان السوري على حفظ ملامحه رغم التحولات، لتبقى حاضرة في وجدان أبنائها، وجزءاً من التراث الإنساني الذي يستحق الصون والتعريف به، ونقله إلى الأجيال القادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة