الاقتصاد المصري: جدل الانهيار وتحديات الخروج من أزمة مزمنة


هذا الخبر بعنوان "مصر سقطت في الإنهيار الاقتصادي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتفاوت التحليلات بشكل حاد حول واقع الاقتصاد المصري، فبينما يرى البعض أن البلاد نجت من انهيار اقتصادي كان وشيكًا، يؤكد فريق آخر أن مصر قد سقطت في هذا الانهيار منذ سنوات. ويقدم كل طرف حججه وأدلته لدعم وجهة نظره.
فمن جهة، أتاحت سياسة مرونة سعر الصرف تدفقًا إضافيًا من العملات الأجنبية بلغ ما لا يقل عن 14 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في عام 2024. إلا أنه على الجانب الآخر، أنفقت مصر ما يقارب نصف إيرادات الدولة على فوائد الديون بحلول نهاية عام 2023. ولم تكن الأوضاع أفضل في عامي 2024 و2025، حيث أدت التوترات في البحر الأحمر إلى تراجع إيرادات قناة السويس، مما أثر سلبًا على الاقتصاد المصري. ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع في الملاحة بالقناة خلال العام الجاري، في ظل تصاعد التوتر في البحرين الأحمر والمتوسط، واعتماد العديد من الدول على ممرات بحرية بديلة أقصر وأقل تكلفة.
يُلاحظ أن الحكومات المصرية المتعاقبة خلال العقدين الأخيرين تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الخارجية، وتحديدًا الخليجية، لتثبيت سعر صرف الجنيه، وعلى القروض الخارجية لتأمين السيولة اللازمة لشراء السلع الأساسية. وهذا يشير إلى غياب خطط واضحة لتحقيق تنمية مستدامة.
وبما أنه لا توجد ضمانات لتدفق الاستثمارات أو القروض بوتيرة تتناسب مع احتياجات البلاد، فإن الرأي القائل بأن مصر سقطت في الانهيار الاقتصادي يكتسب الأغلبية. وما يخفي رؤية هذا المشهد بوضوح هو الاستثمارات المتفرقة والقروض الشحيحة التي يمنحها صندوق النقد الدولي لمصر سنويًا بشروط قاسية. وكمثال على ذلك، صفقة تطوير سياحي بقيمة 35 مليار دولار مع الإمارات في عام 2024، والتي أدت إلى ضخ الدولارات ومهدت لرفع أسعار الفائدة بشكل قياسي وتوسيع قيمة قرض صندوق النقد الدولي. لكن هذه الإجراءات لم تنعكس على معالجة المشكلات الاقتصادية المزمنة التي عجلت بالانهيار.
ومن الملفت أن الحكومات المصرية المتعاقبة لديها سجل حافل في الإعلان عن إصلاحات هيكلية في الاقتصاد، ثم التراجع عنها سريعًا، مما ساهم في سقوط مصر في الانهيار الاقتصادي. ومثل العديد من الدول العربية التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية حادة، تعتمد مصر في تأمين احتياجاتها من العملات الأجنبية على السياحة وقناة السويس، وهما مصدران غير مستقرين، بدليل تراجع عائدات القناة في العامين الأخيرين. وبعد أن كانت مصر مصدرة للغاز، أصبحت تستورده من إسرائيل، وكل هذه العوامل جعلت الخروج من "حفرة" الانهيار الاقتصادي عملية شبه مستحيلة.
وبدلًا من أن تنشغل الحكومات المصرية باستثمار إمكاناتها للتحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، فإن شغلها الشاغل هو منع تدهور سعر الصرف، وهي عملية لا يمكن أن تتحقق دون استثمارات وقروض خارجية مستمرة عامًا بعد عام. ويشير محللون مصريون إلى أن الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه الذي بدأ في عام 2022 وأدى إلى تفاقم التضخم، أوجد وضعًا قابلاً للانفجار في بلد تعتمد فيه الكثير من الأسر على دعم الدولة لشراء السلع الأساسية. وقد أدى هذا الوضع إلى هروب رؤوس الأموال وندرة في العملات الصعبة، حيث وصل المعروض من الدولارات إلى مستويات منخفضة بشكل خطير، ورافق ذلك تراجع التحويلات من المصريين في الخارج الذين توقفوا عن إرسال أموالهم ترقبًا لانخفاض آخر في قيمة العملة.
ولولا اتفاق مع الإمارات على تحويل مشروع "رأس الحكمة"، وهو شريط على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى "ملاذ سياحي"، لما تمكنت الحكومة المصرية من إنقاذ البلاد من السقوط في الهاوية. وتساءل بعض المحللين: إلى متى ستتمكن الحكومة المصرية من تأجيل إعلان الانهيار الاقتصادي؟ ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، لاكتشفنا أن مصر تعاني من أزمات اقتصادية دورية منذ عام 2011، وأن الحكومة تواجه تحديات لتغطية فواتير ضخمة لواردات القمح والدعم ورواتب موظفي القطاع العام، وعجز في تسديد فوائد الديون (وليس أقساطها). ومما فاقم من حدة الأزمات أن القفزة في أسعار الفائدة العالمية دفعت بالمستثمرين إلى إخراج 20 مليار دولار من مصر. ولم تتمكن مصر في السنوات (2024-2025) من تبديد مخاوف المستثمرين، وخاصة من دول الخليج الذين يضخون عشرات المليارات في الاقتصاد التركي سنويًا.
الخلاصة: يستحيل على مصر، شأنها شأن كل الدول النامية، الخروج من الانهيار الاقتصادي بالاعتماد على الاستثمارات والقروض الخارجية طالما أن أوضاع المنطقة متوترة ولن تستقر في الأمد المنظور. والبديل العملي هو استثمار الإمكانات المتاحة، أي المعطلة في البلاد، من خلال خطط خمسية أو عشرية تنقل مصر من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، والاعتماد على كوادر وخبرات المصريين في الخارج لتحقيق نهضة تنموية مستدامة في البلاد. وبعدها ستتدفق الاستثمارات الخارجية على مصر، وستتحرر من أعباء القروض والديون.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد