الفوسفات السوري: إشعاعات تهدد الصحة والبيئة من مناجم خنيفيس إلى ميناء طرطوس


هذا الخبر بعنوان "من “خنيفيس” إلى طرطوس.. مناطق يهددها إشعاع الفوسفات" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد رصيف الفوسفات في ميناء طرطوس ركيزة استراتيجية للاقتصاد السوري، فهو المنفذ البحري الحيوي لتصدير هذه المادة الخام. تاريخيًا، لعب هذا المرفق دورًا محوريًا، ومع عودة النشاط التشغيلي تدريجيًا، يبرز تحدٍ ملحٍ يتمثل في كيفية الحفاظ على هذا المورد الاقتصادي المهم دون أن يتحول غبار الفوسفات إلى عبء صحي وبيئي دائم على سكان الأحياء المجاورة للمرفأ.
يعاني سكان حي “المينا” في مدينة طرطوس من تزايد في حالات التحسس والأمراض الصدرية، وذلك جراء غبار الفوسفات المتطاير الذي يصل إلى منازلهم خلال عمليات الشحن والتفريغ في المرفأ المجاور. وقد دفعهم هذا الوضع للمطالبة بحلول عاجلة للحد من التلوث وحماية الصحة العامة. ويشير السكان إلى أن عمليات مناولة الفوسفات ونقله تسهم في انتشار الغبار بالهواء، مما يزيد من معاناة مرضى الربو والجهاز التنفسي، وخاصة الأطفال وكبار السن الذين يحتاج بعضهم أحيانًا إلى جرعات رذاذ إسعافية.
ويعزو مهتمون بالشأن البيئي هذه المشكلة إلى حاجة عمليات التفريغ والتخزين والنقل في المرفأ إلى تطوير وسائل الحماية وفق المعايير الدولية، وذلك لمنع انتشار الغبار في الأجواء السكنية المحيطة وحماية الأيدي العاملة.
يرى مهندس التربة والجيوزراعة، مراد قره مصطفى، في حديث إلى عنب بلدي، أن المشكلة لا تكمن في مادة الفوسفات كخامة، بل في “منظومة التداول” المعتمدة. وأوضح أن الاعتماد على سيور نقل مكشوفة، ونقاط تفريغ غير معزولة، وغياب الصوامع الحديثة، يحول كل عملية شحن إلى سحابة ناعمة، وتتفاقم الظاهرة مع الرياح الغربية التي تنقل الجسيمات إلى المناطق السكنية.
وبحسب قره مصطفى، تتخطى الانبعاثات في المرافئ غير المجهزة سقف جسيمات “PM2.5” المحدد من منظمة الصحة العالمية بـ15 ميكروغرامًا للمتر المكعب. ولا تقتصر الأضرار على السكان فحسب، بل تمتد لتلوث بضائع عامة وغذائية أخرى تُنقل في نفس المرفأ، مما يخلق تعقيدًا تشغيليًا يتطلب معالجة جذرية.
يعتبر الخبير في تقييم الأثر البيئي والمحاضر في المعهد العالي لبحوث البيئة بجامعة “اللاذقية”، الدكتور حسين جنيدي، أن قضية تصدير الفوسفات السوري مهمة، لأن الفوسفات يحتوي على سويات إشعاعية، ما يقتضي إجراء مراجعة بيئية جادة للعملية برمتها، بدءًا من منطقة الإنتاج في “خنيفيس” مرورًا بنقل الفوسفات من مناطق الإنتاج إلى طرطوس وصولًا إلى تصديره.
وأشار جنيدي إلى أن المعايير والمواصفات القياسية المطلوبة لنقل هذه الشحنات بسلامة، وفقًا لتوصيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تفرض أن تكون مقصورة القيادة محكمة الإغلاق بالكامل، ومزودة بفلاتر هواء عالية الكفاءة من نوع “HEPA”. إضافة إلى ضرورة توفر صندوق خلفي مغلق تمامًا للحمولة، ومجهز بنظام رش مائي داخلي لقمع الغبار ومنع تطايره، فضلًا عن تثبيت دروع واقية من الإشعاع بين الحمولة والمقصورة لتقليص مستويات تعرض السائقين لأشعة “غاما”، مع وضع علامات تحذيرية واضحة ورموز إشعاعية ذات ألوان محددة على جسم الشاحنة الخارجي.
وحذر جنيدي من خطورة غياب هذه المواصفات الفنية الصارمة، إذ يضع السائقين أمام أخطار التعرض لجرعات إشعاعية قد تتجاوز 10 ملي سيفرت سنويًا، وهي نسبة تعادل نصف الحد المهني الآمن عالميًا، لكنها تظل خطرًا تراكميًا داهمًا يهدد سلامتهم على المدى الطويل.
أشار جنيدي إلى الخصوصية البيئية والديموغرافية لمرفأ طرطوس، الذي يمثّل بيئة عمل وتجمعًا سكانيًا في آن واحد، مما يفرض التزامًا مزدوجًا بحماية البيئة الداخلية للمرفأ والعاملين في عمليات التفريغ والتصدير، بالتوازي مع حماية القاطنين في المناطق المجاورة من الانبعاثات الضارة. وفي مقارنة للأثر الصحي الناجم، ذكر الخبير أن سكان المناطق المحيطة بالمرفأ يواجهون العبء الأكبر من التلوث، بسبب “تعرضهم للمستنشقات الضارة” على مدار اليوم.
كما تحدث جنيدي عن أرقام ومعدلات إشعاعية مقلقة سجلتها أرصفة شحن مماثلة، إذ تصل معدلات الجرعة فيها إلى 0.7 ميكرو سيفرت في الساعة، ما يعني تعرض العامل لجرعة إضافية تصل إلى 1.4 ملي سيفرت لكل 2000 ساعة عمل. وفيما يتعلق بالأحياء السكنية، نبه الخبير البيئي إلى أن تلوث التربة والهواء بغبار غاز “الرادون” ونظائر “الراديوم” المشعة يهدد بتراكم إشعاعي خطير، يقع ضرره الأكبر على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن.
وتابع أن الحل الهندسي والبيئي المتعارف عليه في مثل هذه الحالات، يتطلب إنشاء منطقة عازلة (Buffer Zone) تفصل المرفأ عن التجمعات السكنية بمسافة لا تقل عن 500 متر كحد أدنى، بينما يُفضّل علميًا أن تتسع لتتراوح بين كيلومتر وكيلومترين، وذلك استنادًا إلى دراسة اتجاه الرياح السائدة لضمان محاصرة الانبعاثات.
فيما يخص المسار القانوني والتشغيلي، دعا الدكتور جنيدي إلى ضرورة إجراء دراسة تقييم أثر بيئي شاملة (EIA)، كشرط أساسي قبل الشروع بأي عمليات توسعة. وأوضح الخبير أهمية أن تغطي هذه المراجعة كافة مراحل العمل والإنتاج، بدءًا من مناجم “خنيفيس”، لدراسة تأثيرات التعدين على التربة والمياه الجوفية وجودة الهواء للعمال والسكان المحليين، مرورًا بمسار النقل البري لتقدير كميات الغبار المتطاير على طول الطريق السريع وصولًا إلى طرطوس وتحديد القرى الواقعة ضمن نطاق التأثير المباشر وانتهاء بالمرفأ، مبينًا أنه من دون هذه الدراسة تصبح عمليات التصدير غير قانونية وفق المعايير البيئية السورية والأوروبية.
وأفرد الخبير البيئي مساحة لملف حماية عمال الإنتاج في مناجم “خنيفيس”، باعتبارهم خط الدفاع الأول والأكثر عرضة للأتربة المشعة لفترات زمنية طويلة، مستندًا إلى دراسات محلية أظهرت أن معدلات تعرض العمال لغبار غاز “الرادون” المشع تصل إلى 270 بيكريل/متر مكعب في بعض المواقع التعدينية. وهو ما يستدعي فورًا، تبعًا لجنيدي، تركيب أنظمة تهوية قسرية داخل الأنفاق وأماكن تكديس الفوسفات، وإخضاع الكوادر لفحوصات دورية لوظائف الرئة تشمل قياس السعة الحيوية وتحليل البلغم، بالتوازي مع منحهم تعويضات عادلة ومجزية عن الأضرار الصحية تماشيًا مع الأنظمة المهنية المعمول بها عالميًا.
حدد الخبير البيئي منظومة الرقابة الإشعاعية المطلوبة في كل موقع، بدءًا من المناجم وصولًا إلى المرفأ ومحطات تفتيش الشاحنات، والتي يجب أن تشمل أجهزة قياس محمولة للكشف عن أشعة “غاما”، وعدادات “رادون” لقياس نسبة الغاز المشع في الهواء، إضافة إلى أجهزة مسح كامل الجسم الفورية للعمال والسائقين بشكل دوري. كما شدد على حتمية تأمين مقاييس إشعاعية فردية لكل عامل تُقرأ وتُحلل بياناتها شهريًا لرصد حجم الجرعات التراكمية، محذرًا من المخاطر الصحية التي تهدد حياتهم يوميًا. وأكد جنيدي أن توفير وجبات غذائية داعمة ومجانية للعمال يمثل استثمارًا مباشرًا في صحتهم وإنتاجيتهم، لافتًا إلى دور التغذية في تقليص امتصاص المعادن الثقيلة والمشعة.
عزا مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، الأسباب إلى واقع تصدير الفوسفات الموروث عن النظام السابق، الذي كان يعتمد على أساليب بدائية وغير مهيّأة بالشكل المطلوب، سواء من حيث البنية التحتية أو الالتزام بالمعايير البيئية. وقال علوش، في حديث إلى عنب بلدي، إنه بالرغم من وجود رصيف مخصص لتحميل الفوسفات في مرفأ طرطوس، فإنه كان خارج الخدمة وغير مستثمر بالشكل الأمثل.
وباشرت “المنافذ والجمارك”، بحسب علوش، تنفيذ خطة شاملة لإعادة تأهيل هذا الرصيف، تتضمن أعمالًا فنية وهندسية “متقدمة” تشمل صيانة البنية الإنشائية، وتحديث معدات التحميل والتفريغ، واعتماد أنظمة حديثة للحد من الانبعاثات والغبار الناتج عن عمليات الشحن، بما ينسجم مع المعايير البيئية الدولية. كما يجري العمل على إدخال منظومات نقل مغلقة، وأنظمة رش وتثبيت للغبار، إضافة إلى تحسين آليات التخزين والنقل داخل حرم الميناء، بما يحد من التأثيرات البيئية على المدينة والمحيط البحري، وفق ما قاله علوش لعنب بلدي.
وأوضح أن المشروع لا يقتصر على إعادة تأهيل الرصيف الحالي، بل يشمل توجهًا استراتيجيًا لإنشاء ميناء متكامل مخصص لتداول المواد السائبة ذات الأثر البيئي، مثل الفوسفات و”الكلينكر” وغيرهما، إذ يتم فصل هذا النوع من النشاطات عن بقية العمليات المينائية، بما يعزز السلامة العامة ويحسّن الكفاءة التشغيلية. وعن الجدول الزمني للتنفيذ قال علوش، إن أعمال التأهيل تسير وفق خطة مرحلية، متوقعًا وضع الرصيف في الخدمة تدريجيًا فور استكمال المراحل الفنية الأساسية، مع الالتزام الكامل بمعايير السلامة والجودة.
لفت علوش إلى أن إعادة تشغيل رصيف الفوسفات ستسهم بشكل مباشر في زيادة حجم الصادرات، وتحسين إيرادات الدولة، وتخفيض التكاليف التشغيلية المرتبطة بعمليات النقل غير المنظمة، إضافة إلى تعزيز موقع مرفأ طرطوس كمركز لوجستي إقليمي لتصدير المواد الخام. وختم مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك حديثه بالتأكيد على أن هذه الخطوات تأتي “ضمن رؤية شاملة لتطوير قطاع المرافئ في سوريا، ورفع كفاءتها التشغيلية، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة”.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي