هيبة الدولة: بين قمع المعارضة وجوهرها الحقيقي في العدالة وثقة المواطن


هذا الخبر بعنوان "النيل من هيبة الدولة!" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحمل تعبير "النيل من هيبة الدولة"، كما يرى الكاتب غزوان قرنفل، قوة لغوية وقانونية وسياسية هائلة، إذ يوحي للوهلة الأولى بأنه دفاع مشروع عن كيان الدولة واستقرارها ومؤسساتها. إلا أن هذه القوة تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة فضفاضة تُستخدم لقمع أي رأي معارض أو انتقاد سياسي، ليجد المواطن نفسه متهمًا بالمساس بـ"هيبة الدولة" لمجرد تعبيره عن غضبه من فساد مالي أو إداري، أو فشل حكومي، أو تعسف في ممارسة السلطة.
هنا يبرز سؤال جوهري: ما المقصود أصلًا بهيبة الدولة؟ ومن يملك الحق في تحديد ما إذا كان هذا النقد ينال حقًا من "هيبتها" أم لا؟ إن المعنى الحقيقي لهيبة الدولة لا يعني الخوف من السلطة أو الصمت أمام أخطائها. فالهيبة الأصيلة للدولة تنبع من احترام مؤسسات السلطة فيها للقانون، ومن ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ومن قدرة الدولة على حماية الحقوق وتطبيق العدالة على الجميع دون تمييز.
الدولة المهيبة ليست تلك التي يخشى الناس فيها انتقاد السلطة الحاكمة، بل هي التي يشعر الناس في ظلها بالأمان، ويثقون بأن حقوقهم مصونة وأن القانون يعلو فوق الجميع، بمن فيهم الحكام أنفسهم. أما عندما تُختزل هيبة الدولة في هيبة الحاكم أو الحكومة أو الأجهزة الأمنية، فإن المفهوم يتحول من قيمة سياسية وقانونية نبيلة إلى مجرد أداة للقمع.
في الأنظمة السلطوية، غالبًا ما يتم الخلط عمدًا بين الدولة والسلطة. يُنظر إلى انتقاد الوزير أو الرئيس أو المؤسسة الأمنية على أنه انتقاد للوطن ذاته، وبذلك يصبح الاعتراض السياسي نوعًا من "الخيانة الوطنية". يتحول المواطن من شريك فاعل في الحياة العامة إلى متهم دائم يجب عليه إثبات ولائه بالصمت. ويبقى السؤال معلقًا: من الذي يقرر فعلًا أن هذا الكلام أو ذاك يمثل "مساسًا بهيبة الدولة"؟
على النقيض، في الدول الديمقراطية، توجد معايير قانونية واضحة تحدد الفرق بين حرية التعبير والتحريض على العنف أو الكراهية أو التهديد المباشر للأمن العام. لكن في الأنظمة السلطوية المغلقة، تُترك هذه العبارات مطاطة وغامضة، مما يسمح بتفسيرها وفقًا للمزاج السياسي أو الأمني. وهكذا، يمكن أن يصبح منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تصريح صحفي، أو حتى نكتة سياسية، سببًا كافيًا للاستدعاء أو الاعتقال بحجة الإساءة إلى "هيبة الدولة".
إن غياب المعايير الدقيقة ليس أمرًا عرضيًا، بل هو جزء من وظيفة هذه العبارات. فكلما كان المصطلح أكثر غموضًا، كان أكثر قابلية للتأويل والاستخدام ضد أي شخص وفي أي وقت. لذلك، نجد أن تهمًا مثل "وهن نفسية الأمة" أو "إضعاف الشعور القومي" أو "النيل من هيبة الدولة" تُستخدم بكثرة في البيئات السلطوية، لأنها تمنح السلطة مساحة واسعة لمعاقبة المعارضين دون الحاجة إلى إثبات جرم حقيقي.
السؤال الأهم هنا: هل انتقاد السلطة وأدائها يمثل بالفعل مساسًا بهيبة الدولة؟ الواقع يقول العكس تمامًا. فالسكوت عن الفساد، وسوء الإدارة، وانتهاك الحقوق، والتعسف في استعمال السلطة، وخرق القواعد الدستورية، هو الذي يقوّض الدولة ويضرب هيبتها الحقيقية. عندما يرى المواطن أن المسؤول لا يحاسَب، وأن الفشل يُكافأ، وأن النقد ممنوع، فإن ثقته بالدولة تتآكل تدريجيًا.
أما النقد الحر، حتى وإن كان قاسيًا، فهو جزء أساسي من أي حياة سياسية سليمة، لأنه يسمح بكشف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتحول إلى كوارث. الدول القوية لا تخشى النقد بل تستفيد منه. وهيبة الدولة، كما نرى في البلدان المتقدمة، لا تقوم على تكميم الأفواه، وإنما على قوة المؤسسات واستقلال القضاء وحرية الإعلام. هناك، يستطيع المواطن أن ينتقد الرئيس أو الحكومة علنًا دون أن يشعر بأنه يقترب من "منطقة محرمة"، لأن الدولة ليست شخصًا أو حزبًا أو جهازًا أمنيًا، بل هي كيان دائم، بينما الحكومات والسلطات هي أدوات عابرة قابلة للتغيير والمحاسبة.
أما الأنظمة التي تعتبر أي اعتراض تهديدًا لهيبتها، فهي في الحقيقة تكشف عن هشاشتها لا عن قوتها. السلطة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى تخويف الناس من الكلام. وحين تصبح "هيبة الدولة" مرادفًا للصمت الإكراهي، فإن الدولة تتحول إلى بنية تخاف من مواطنيها أكثر مما تحظى باحترامهم.
إن أخطر ما في هذه العبارات الفضفاضة أنها تنتج مواطنًا مذعورًا يراقب كلماته باستمرار، ويتجنب النقاش العام خشية الاتهام أو العقاب. وبذلك تخسر الدولة طاقات المجتمع وقدرته على النقد والإصلاح والمشاركة السياسية. فالمجتمعات التي يُمنع فيها الكلام لا تصبح أكثر استقرارًا، بل أكثر احتقانًا، لأن القمع لا يلغي المشكلات وإنما يؤجل انفجارها.
هيبة الدول لا تُبنى بالخوف بل بالعدالة، ولا تُحمى الأوطان بإسكات الناس بل بإشراكهم في مراقبة السلطة ومحاسبتها. فالدولة التي تقبل النقد وتحترم حرية التعبير هي وحدها القادرة على اكتساب الهيبة الحقيقية، هيبة الاحترام لا هيبة الرهبة والخوف.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة