قضية رانيا العباسي: كشف المصير يثير الغضب ويفتح جراح الإرث النفسي للنظام السوري


هذا الخبر بعنوان "الشهيدة رانيا العباسي.. قراءة نفسية لحالات الحزن والغضب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد ثلاثة عشر عامًا من الانتظار والغموض، انقشع أخيرًا مصير الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة. فقد أكدت الهيئة الوطنية للمفقودين أن هذه العائلة المنكوبة كانت من بين ضحايا مجازر التضامن، حيث شوهدت وهي تُقتل في مقطع فيديو لم يُنشر، وذلك حفاظًا على حرمة الضحايا وبناءً على رغبة ذويهم.
أثار هذا الإعلان موجة عارمة من الحزن والغضب بين السوريين. فبعد أن تحولت قضية العباسي على مر السنين إلى رمز من رموز الاختفاء القسري في سوريا، عادت لتفتح جراحًا لم تندمل بعد، وتسلط الضوء مجددًا على حجم العنف الذي مارسه النظام السابق بحق السوريين.
لم تتوقف ردود الفعل عند حدود الحزن أو المطالبة بالعدالة فحسب، بل شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الغليان، أدت إلى ظهور حملات وشعارات تدعو إلى مقاطعة طائفة كاملة، وتحميلها بشكل جماعي مسؤولية جرائم النظام. وقد برز شعار "أنت لست شجرة" كدعوة لاتخاذ موقف وعدم البقاء على الحياد.
من الضروري الإقرار بأنه من الصعب مطالبة الناس بالهدوء أمام جريمة بهذا الحجم، فالغضب هنا مفهوم ومشروع، بل قد يكون مؤشرًا صحيًا على أن المجتمع لم يعد يتقبل ما كان يتقبله سابقًا من عنف وإفلات من العقاب. لكن المشكلة تكمن في تحول البحث عن المسؤولية إلى تعميمها، وانتقال الاتهام من أفراد ومؤسسات ارتكبت الجريمة إلى جماعة كاملة تُحمّل عبء تاريخ طويل من الانتهاكات.
من منظور التحليل النفسي، يمكن فهم هذه الظاهرة عبر آليتي الافتراق والتحويل. ففي لحظات الصدمة والحزن العميقين، تتشكل طاقة سلبية شديدة لدى الإنسان تحتاج حتمًا إلى تفريغ. من هنا جاء شعار "أنت لست شجرة"، كدعوة إلى تحرك ما لتفريغ هذه الطاقة الجبارة من الحزن والغضب، وهي آلية تحويلية. هذا التحرك جاء سلميًا على الأقل، فلم يدعُ إلى ارتكاب مجازر أو تحويل مناطق كاملة إلى مزارع، واقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي دون تطبيقات عملية على الأرض. تُعد هذه نقطة إيجابية بسيطة، لكن يجب رصدها وتسجيلها في هذا النفق السوري المظلم.
نقطة إيجابية أخرى تمثلت في أن هذا الغليان اقتصر على بعض أفراد المجتمع ولم يمتد إلى أجهزة الدولة. فقد تعمد أحد أجهزتها الأمنية نشر مقطع فيديو لأفراد تابعين للسلطة السورية وهم يحيّون أهالي جبلة وريفها على وقع موسيقا ساحلية، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لا تتبنى مطالب بعض السوريين، وأنها كجهاز سلطة تقف على الحياد طالما لم يكن لهذه الدعاوى تأثير واقعي على الأمن العام. يجب أن نعتاد على وجود صراعات مجتمعية، وأن تكون الدولة حيادية تجاهها ما دامت سلمية، فهذا هو دورها ووظيفتها. كما أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أنهم اعتقلوا بعض أفراد عائلة أمجد يوسف بتهمة التستر على مجرم، وهي تهم حقيقية وتمس مباشرة المتورطين بها فقط، ولا تعني من قريب أو بعيد أفراد قريته.
أما الجانب السلبي في هذه القضية، فهو أن مجرى هذا التفريغ سلك الطريق الخاطئ. فالنفس تميل في لحظات الشدة إلى تبسيط الواقع وتقسيمه إلى معسكرين واضحين (آلية الافتراق): خير مطلق وشر مطلق. ويصبح من الأسهل تفسير العالم من خلال جماعات متقابلة بدلًا من شبكات معقدة من المسؤوليات والخيارات والمصالح. وهي آلية تفكير عامة موجودة في كثير من الحالات المرضية، لكنها سيطرت لفترات طويلة على العقلية السورية في فترة حكم الأسد.
ربما يكون أخطر ما ورثناه من النظام السابق ليس السجون أو الخراب الاقتصادي وحدهما، بل الطريقة التي علمنا بها أن نفكر. لقد أمضى السوريون عقودًا في ظل خطاب يرى الناس جماعات قبل أن يراهم أفرادًا، وطوائف قبل أن يراهم مواطنين. ولذلك، فإن سقوط النظام سياسيًا لا يعني بالضرورة سقوط منطقه من داخل العقول.
لهذا السبب، فإن العدالة المطلوبة في قضية رانيا العباسي لا تتحقق عبر توسيع دائرة الاتهام، بل عبر تحديدها بدقة. العدالة تعني معرفة من خطط ومن نفذ ومن تستر ومن استفاد، لا البحث عن جماعة كاملة لتحمل عبء الجريمة. والأهم من ذلك كله، وعي السوريين لصراعاتهم النفسية، وتفهم درجة غضبهم، والأهم هو توجيهه في مجراه الصحيح.
تكشف قضية رانيا العباسي اليوم عن جريمة مروعة ارتكبها النظام السابق، لكنها تكشف أيضًا عن شيء آخر لا يقل أهمية: أن السوريين ما زالوا يخوضون معركة ثانية مع الإرث النفسي والفكري الذي خلّفه هذا النظام، وهي معركة قد تكون أطول وأصعب من إسقاطه نفسه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة