الفن السوري في زمن التحولات الرقمية: كيف أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة الجمهور بالدراما ومعايير النجاح؟


هذا الخبر بعنوان "من الشاشة إلى “الترند”.. وسائل التواصل تعيد تشكيل علاقة السوريين بالفن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العلاقة بين الجمهور السوري والفن تحولات عميقة، مدفوعة بسنوات الحرب وظروفها الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى الثورة الرقمية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث. هذه العوامل أعادت صياغة أنماط التلقي الفني وطرق استهلاك المحتوى الثقافي والدرامي. ورغم أن المنصات الرقمية أتاحت وصولًا أوسع للأعمال الفنية، إلا أنها فرضت معايير جديدة للانتشار والنجاح، مما أثار تساؤلات حول القيمة الفنية الحقيقية في عصر تهيمن عليه الخوارزميات و"الترندات" السريعة.
لقد شهدت علاقة الجمهور السوري بالفن، وخاصة الدراما، تحولات جوهرية في السنوات الأخيرة، متأثرة بالظروف الاستثنائية التي مر بها السوريون. فبعد أن كان الفن يُنظر إليه كوسيلة لمقاربة الواقع ومناقشة قضاياه، تحول بالنسبة لشريحة واسعة من الجمهور إلى مساحة للابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية والبحث عن متنفس.
في هذا السياق، يرى الناقد الفني أنس فرج أن قسوة الواقع دفعت العديد من السوريين إلى الاعتقاد بأن الفن لم يعد قادرًا على مواكبة الأحداث أو التعبير عنها بإنصاف. هذا الأمر دفع جزءًا من الجمهور نحو الأعمال الفنية الخفيفة أو المحتوى الذي يبتعد عن الواقع، بل وتزايد اهتمامهم بالإنتاجات الأجنبية.
وأوضح فرج، في حديثه إلى عنب بلدي، أن هذا التحول يفسر تراجع الإقبال على الأعمال التي تسعى لمقاربة الواقع السوري بشكل مباشر، في مقابل ازدياد الطلب على المحتوى الترفيهي.
يؤكد أنس فرج، الناقد الفني، أن "قسوة الواقع السوري، والاعتقاد بأن الفن غير قادر على إنصافه، دفعت الجمهور نحو الأعمال الخفيفة أو المحتوى البعيد عن الواقع."
من جهته، أشار الكاتب والناقد جورج درويش، في تصريح لعنب بلدي، إلى أن الشغف الجماهيري بالدراما السورية قد تراجع مقارنة بالسابق، معتبرًا أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في استقطاب جزء كبير من جمهور الدراما التقليدي.
ووصف درويش هذه المنصات بأنها توفر "دراما سريعة" قادرة على تقديم جرعة عاطفية أو سردية للمتلقي في ثوانٍ معدودة، وهو ما كان يستلزم في السابق متابعة مسلسل كامل. ويرى أن الجمهور أصبح يبحث عن محتوى أكثر قربًا من الواقع اليومي وأكثر سرعة في معالجة القضايا، بما يتماشى مع طبيعة المحتوى السائد على المنصات الرقمية.
لقد أحدثت المنصات الرقمية تغييرًا جذريًا في آليات الوصول إلى الفن، حيث أصبحت الأعمال الفنية متاحة لجمهور أوسع يتجاوز الحواجز الجغرافية التقليدية. ومع ذلك، لم تكن هذه الفرصة متاحة بالتساوي لجميع السوريين.
وأوضح الناقد أنس فرج أن ضعف البنية التحتية للإنترنت داخل سوريا ساهم في نشأة جمهورين متباينين: الأول داخل سوريا، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على التلفزيون والمقاطع القصيرة نظرًا لصعوبة الوصول إلى المنصات الرقمية أو ارتفاع تكلفتها. أما الثاني فهو الجمهور السوري في الخارج، الذي يلجأ العديد منهم إلى متابعة الأعمال السورية عبر المنصات للحفاظ على ارتباطهم بالوطن واستعادة ذكريات الأماكن والمدن السورية.
وأضاف فرج أن المنصات الرقمية أسهمت أيضًا في توسيع نطاق انتشار الأعمال السورية وخلق تفاعل جماهيري حول بعض الإنتاجات، كما وفرت مساحة أوسع لتجارب المخرجين الشباب بعيدًا عن القوالب التقليدية المرتبطة بالموسم الرمضاني.
في المقابل، أبدى الناقد جورج درويش تحفظًا أكبر على هذا التحول، معتبرًا أن التلفزيون كان يوفر وصولًا أسهل للجمهور مقارنة بالمنصات المدفوعة التي تتطلب اشتراكات وخبرات تقنية قد لا تكون متاحة للجميع. ويرى أن المنصات، على الرغم من تنوع الخيارات التي تقدمها، جعلت متابعة الأعمال الدرامية أكثر تعقيدًا لشريحة واسعة من المشاهدين.
مع تصاعد نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأعمال الفنية تخضع بشكل متزايد لمنطق الانتشار الرقمي، مما أثار مخاوف جدية بشأن تأثير "الترند" على جودة المنتج الفني ومعاييره المهنية.
يرفض الناقد أنس فرج وصف هذه الظاهرة بأنها "ثقافة" مستقرة، ويرى أنها ترتبط بعوامل موسمية وآليات ترويج وخوارزميات متغيرة. ويؤكد أن حملات التسويق الرقمية والعمليات المدفوعة، القادرة على خلق رأي عام افتراضي، باتت تؤثر بشكل مباشر في آليات الإنتاج، بحيث لم تعد القيمة الفنية وحدها هي العامل الحاسم في تحقيق الانتشار أو تصدر قوائم المشاهدة.
أما الناقد جورج درويش فيذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن السعي المحموم وراء "الترند" أدى إلى تراجع المعايير الفنية والمهنية في بعض الأعمال. فقد أصبح الهدف في كثير من الأحيان هو جذب الجمهور وتحقيق التفاعل السريع، بدلًا من تقديم رسالة فنية متكاملة وذات قيمة.
يقول جورج درويش، الكاتب والناقد الفني: "بعض أشكال الإثارة والابتذال باتت تحقق انتشارًا أكبر من الأعمال التي تستند إلى جهد فني حقيقي، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الجودة في الإنتاج الدرامي."
لقد فرض العصر الرقمي تعريفات جديدة للنجاح الفني، حيث أصبحت أرقام المشاهدات والتفاعل الفوري مؤشرات أساسية للحكم على شعبية الأعمال الفنية.
أكد الناقد الفني أنس فرج أن النجاح الرقمي بات حقيقة لا يمكن تجاهلها، لكنه شدد على وجود فرق بين الوصول الواسع وديمومة التأثير. فملايين المشاهدات لا تعني بالضرورة ارتباطًا حقيقيًا للجمهور بالعمل أو استمراره في الذاكرة الثقافية. ويعتقد فرج أن الدراما السورية لا تزال تزخر بأسماء وخبرات قادرة على الحفاظ على مستوى فني جيد، شريطة عودة الصناعة إلى حالة من التوازن تسمح بإنتاج أعمال رقمية تنافس عربيًا وتتجاوز الحنين المستمر لنجاحات ما قبل الحرب.
يقول أنس فرج، الناقد الفني: "النجاح الرقمي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، لكن هناك فرقًا بين الوصول الواسع وديمومة التأثير."
من جانبه، يرى جورج درويش أن الشهرة أصبحت أسهل بكثير في عصر "السوشال ميديا"، حيث لم يعد النجاح يتطلب المسار التقليدي الطويل الذي عرفته الأجيال السابقة من الفنانين. لكنه نبه إلى أن هذه السهولة تحمل جانبًا سلبيًا يتمثل في قدرة المحتوى المثير للجدل أو الصادم على تحقيق شهرة تفوق أحيانًا الأعمال الجادة.
وفي ختام حديثه عن مستقبل الفن الرقمي في سوريا، أقرّ درويش بصعوبة تقديم رؤية واضحة في ظل التحولات المتسارعة. ومع ذلك، شدد على أهمية البعد الأخلاقي في التعامل مع المنصات الرقمية، وضرورة الاستفادة من إيجابياتها دون الوقوع في فخ الاستهلاك السريع أو السعي المحض وراء التفاعل.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة