جراح الحرب الخفية: كيف تعيق الذاكرة المفتوحة استقرار سوريا ومسار العدالة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "ذاكرة الحرب.. جراح مفتوحة تؤخر استقرار سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – آلاء شعبو
لا تنتهي الحروب بمجرد توقف القتال، بل غالبًا ما تبدأ مرحلة جديدة أكثر هدوءًا لكنها أعمق أثرًا وأشد تعقيدًا، وهي مرحلة الذاكرة. فالمجتمعات التي تخرج من أتون العنف لا تواجه الدمار المادي فحسب، بل تتعامل مع طبقات غير مرئية من الألم والخوف والأسئلة العالقة التي تظل حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لسنوات طويلة.
في رواندا، لم تُطوَ صفحة الإبادة الجماعية عام 1994، بل تحولت التجربة لاحقًا إلى نموذج لافت في إعادة بناء الدولة والمجتمع. حتى باتت تُقدَّم في النقاشات الدولية كنموذج رائد في مسار العدالة الانتقالية وبناء السلام، وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. وقد ارتبط هذا التحول بجهود مؤسساتية واسعة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع وماضيه، من خلال التوثيق والمحاسبة وإعادة بناء الثقة الاجتماعية.
وفي سوريا، يتجدد النقاش حول هذه الأسئلة مع ملفات مفتوحة تتعلق بالمعتقلين والمفقودين والانتهاكات، وما تثيره من مشاعر غضب وحزن واستحضار لتجارب لم تُحسم بعد في الذاكرة الفردية والجماعية. وفي سياق اهتمام متزايد بالاستفادة من التجربة الرواندية، زار وفد من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا العاصمة الرواندية كيغالي، في تشرين الأول 2025، للاطلاع على آليات المصالحة والتوثيق وبناء السردية الوطنية. التشابه بين التجربتين السورية والرواندية لا يقتصر على السياق السياسي فقط، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل تنتهي الصدمات فعلًا بانتهاء الحرب، أم أنها تبقى حيّة داخل المجتمع ما لم تعالَج بالعدالة والاعتراف وإعادة بناء المعنى؟
تختلف الاستجابة النفسية لمحتوى الانتهاكات من شخص لآخر، تبعًا لطبيعة التجربة السابقة وشدتها والبيئة الاجتماعية المحيطة، إضافة إلى القدرة الفردية على التكيف. الطبيب النفسي محمد منى، أوضح في حديث إلى عنب بلدي، أن نحو 70 إلى 75% من الأشخاص يمتلكون القدرة على التعافي التدريجي من الصدمات مع مرور الوقت، بحيث تبقى الأعراض ضمن حدود مؤقتة مثل الحزن أو القلق أو التوتر، وتخف تدريجيًا مع الدعم الاجتماعي واستقرار الظروف.
في المقابل، قد يطور نحو 20% من الأفراد اضطرابات نفسية أعمق، مثل القلق المزمن أو الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، خصوصًا عند التعرض لعنف شديد أو تهديد مباشر للحياة أو فقدان مفاجئ لأشخاص مقربين. وأضاف منى أن المواد المصوّرة أو المسموعة المرتبطة بالانتهاكات قد تعمل كمحفّز قوي يعيد تنشيط التجربة الصادمة، حتى لدى أشخاص اعتقدوا أنهم تجاوزوا آثارها، لأن الدماغ لا يتعامل مع الحدث كذكرى بعيدة بقدر ما يعيد استحضاره كخبرة حسية كاملة. وتتداخل في ذلك عوامل متعددة، بينها طبيعة التجربة الأصلية ومدة التعرض للعنف، والدعم الأسري والمجتمعي، إضافة إلى الاستعداد النفسي الفردي. وقد تظهر استجابات مثل استرجاع الذكريات المفاجئ أو الكوابيس أو القلق المستمر، إلى جانب مشاعر الذنب والغضب وفقدان الإحساس بالأمان. وحذّر منى من أن استمرار الأعراض لفترات طويلة دون تحسن يستدعي تدخلًا مختصًا، خصوصًا إذا انعكس ذلك على الحياة اليومية أو العلاقات الاجتماعية أو القدرة على العمل والدراسة.
لا تتوقف آثار الصدمة عند الفرد، بل تمتد لتتحول في كثير من الحالات إلى جزء من الذاكرة الجمعية للمجتمع. يوضح علماء الاجتماع، وفق ما ورد في كتاب “Cultural Trauma and Collective Identity” (الصدمة الثقافية والهوية الجماعية)، أن الصدمات الجماعية يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤسس في الهوية الاجتماعية، وتستمر في التأثير على الثقة والعلاقات والشعور بالأمان لسنوات طويلة، خاصة عندما تغيب العدالة أو الاعتراف بمعاناة الضحايا. وفي الحالة السورية، يرتبط ذلك باستمرار غياب الإجابات حول مصير آلاف المفقودين، وبقاء ملفات الاعتقال والانتهاكات دون حسم أو مساءلة كاملة. هذا الغياب لا يترك فقط فراغًا قانونيًا، بل يخلق فراغًا نفسيًا واجتماعيًا يجعل الذاكرة الجمعية مرتبطة بأسئلة مفتوحة لا تُغلق.
في دول خرجت من نزاعات واسعة، لم يكن التحدي مقتصرًا على وقف القتال، بل امتد إلى كيفية التعامل مع آثار الصدمة النفسية والاجتماعية طويلة الأمد.
في رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994 التي قُتل خلالها نحو 800 ألف شخص خلال مئة يوم فقط، أظهرت الدراسات استمرار آثار الصدمة لسنوات طويلة، ليس فقط لدى الناجين المباشرين، بل أيضًا لدى أجيال لاحقة نشأت في بيئة مشبعة بالعنف والفقد والذاكرة المفتوحة. ولم تقتصر الاستجابة على المسار القضائي، بل شملت آليات مجتمعية مثل محاكم “غاتشاتشا” التي أتاحت مساحة لسرد الشهادات والاعتراف بما جرى داخل المجتمعات المحلية، إلى جانب برامج دعم نفسي مجتمعي وإعادة تأهيل اجتماعي. ورغم ذلك، لا تزال آثار الذاكرة الجماعية حاضرة في مستويات الثقة والعلاقات الاجتماعية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. كما أشار خطاب “يونيسف” خلال إحياء ذكرى الإبادة الجماعية، في 7 من نيسان 2025، إلى أن التجربة الرواندية لا تُختزل في مسار المصالحة فقط، بل في مواجهة خطاب الكراهية الذي سبق العنف، والذي اعتُبر أحد المحركات الأساسية لانهيار المجتمع آنذاك، ومن هنا برزت أهمية منع إعادة إنتاج هذا الخطاب، باعتباره شرطًا أساسيًا لمنع تكرار المأساة.
وفي جنوب إفريقيا، اعتمدت “لجنة الحقيقة والمصالحة” على الاستماع العلني إلى شهادات الضحايا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، في محاولة للجمع بين كشف الحقيقة وبناء مسار تعافٍ اجتماعي قائم على الاعتراف. أما في البوسنة والهرسك، فقد تداخلت العدالة الدولية مع برامج الدعم النفسي والاجتماعي، إلا أن آثار الحرب والانقسام بقيت حاضرة لدى كثير من العائلات التي ما زالت تتعامل مع ذاكرة فَقد لم تُغلق بالكامل. هذه التجارب تشير إلى أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تحتاج إلى مسارات عدالة واعتراف ودعم نفسي وإعادة بناء للثقة، حتى لا تتحول إلى ذاكرة مفتوحة تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع.
لا تقتصر آثار الانتهاكات على من عاشها مباشرة، بل تمتد إلى من يتعرض لها بشكل غير مباشر عبر الإعلام أو العمل الإنساني أو متابعة الأخبار اليومية. وأشار الطبيب النفسي محمد منى إلى أن هذا النوع من التأثر يُعرف بالصدمة الثانوية، حيث يمكن أن تظهر أعراض مشابهة للصدمة الأصلية دون وجود تجربة مباشرة، نتيجة التعرض المستمر لمحتوى عنيف أو صادم. وتوضح الأدبيات النفسية أن التكرار المستمر لمشاهد العنف عبر المنصات الرقمية قد يؤثر على إدراك الأمان لدى الأفراد، ويجعل العالم يبدو أكثر تهديدًا مما هو عليه فعليًا. كما قد يؤدي ذلك إلى شعور بالإرهاق النفسي أو العجز أو فقدان الثقة بالمحيط، خصوصًا عند من لديهم تجارب سابقة مرتبطة بالحرب أو الفقد أو الاعتقال، بحسب منى.
تختلف الاستجابات النفسية بين الأفراد، لكن هناك مؤشرات تستدعي الانتباه، أبرزها استمرار الحزن الشديد أو فقدان المتعة بالحياة، واضطرابات النوم والشهية، وصعوبة التركيز، والشعور المستمر بالخوف أو القلق. وفي حالات أخرى قد تظهر أعراض أكثر حدّة، مثل استرجاع الحدث بشكل متكرر أو كوابيس متكررة أو انعزال اجتماعي تدريجي. وأكد الطبيب النفسي محمد منى أن طلب المساعدة يصبح ضروريًا عندما تبدأ الأعراض بالتأثير على الحياة اليومية أو العلاقات أو العمل، أو عند ظهور أفكار مرتبطة بإيذاء النفس.
يعد الأطفال والمراهقون من أكثر الفئات تأثرًا بالمحتوى العنيف على الإنترنت، نظرًا إلى عدم اكتمال أدواتهم النفسية في التعامل مع الصور الصادمة. وأشار الطبيب النفسي محمد منى إلى أن الحماية لا تقوم على المنع الكامل، بل على بناء علاقة تواصل تسمح للطفل بالتعبير عن مشاعره بعد التعرض لمحتوى صادم، بدل كبتها أو تجاهلها. كما أوصى منى بتجنب التخويف أو الردود القاسية، وتقديم شرح مناسب للعمر يساعد الطفل على الفهم دون فقدان الإحساس بالأمان. وقال إن البيئة الأسرية الداعمة، وتنظيم استخدام الشاشات، وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والرياضية، يمكن أن تخفف من أثر هذه المشاهد على المدى الطويل.
على الرغم من اختلاف السياقات بين سوريا وتجارب مثل رواندا والبوسنة وجنوب إفريقيا، فإن القاسم المشترك بينها أن الصدمات الجماعية لا تنتهي تلقائيًا مع توقف العنف، بل تستمر في إعادة تشكيل الذاكرة الفردية والجماعية. في الحالة السورية، ومع استمرار ملفات المعتقلين والمفقودين والانتهاكات دون حسم، تبقى الذاكرة الجمعية مرتبطة بأسئلة لم تجد إجاباتها النهائية بعد، ما يجعل أثر الصدمة مستمرًا في الحاضر كما في الماضي. وبين العدالة والذاكرة المفتوحة، يبقى السؤال الأساسي معلّقًا: كيف يمكن التعايش مع ماضٍ لم يُغلق بعد دون أن يتحول إلى عبء دائم على المجتمع والحاضر؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة