العمل الحر أم الوظيفة: أي الثقافتين تصنع مستقبل الأفراد والمجتمعات في زمن التحديات؟


هذا الخبر بعنوان "أيهما الأجدى لحياتنا ومجتمعنا..ثقافة الوظيفة أم ثقافة العمل الحر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: باسل علي الخطيب
في إحدى المناسبات، تلقيت اتصالاً من أحد طلابي السابقين لتهنئتي بالعيد. بعد تبادل التهاني والسؤال عن أحواله، أخبرني الشاب أنه يواصل دراسته الجامعية وفي الوقت ذاته يعمل بجد. عندما سألته عن طبيعة عمله، أجاب بابتسامة وثقة: "أي عمل متاح؛ من قش الأعشاب والتنظيف والتقليم وأعمال الزراعة، إلى حفر الجور والسقاية، مروراً بأعمال البناء والخدمات المتنوعة."
دهشت من تعدد المهارات التي يتقنها، فسألته إن كان قد تعلم كل ذلك. فأجاب بثقة أكبر: "نعم، والحمد لله، لا أمد يدي لأحد. أنفق على دراستي من جهدي الخاص، وأساند والدي قدر استطاعتي." كان عمره حينها عشرين عاماً فقط. هذه القصة ليست مجرد استثناء، بل هي نموذج حي لما يجب أن يكون عليه شبابنا في مواجهة الظروف الصعبة والتحديات المعيشية. فالإنسان القادر على العمل لا يجوز له الاستسلام للاتكالية أو انتظار أن يجد الآخرون حلولاً لمشكلاته.
كثيراً ما نوجه النقد لأصحاب النفوذ أو الثروات لتقصيرهم في مساعدة الناس أو توجيههم نحو فرص العمل والإنتاج، وقد يكون هذا النقد مبرراً في بعض الأحيان. لكن هذا لا يعفي الأفراد أنفسهم من مسؤوليتهم تجاه أوضاعهم المعيشية ومستقبلهم. فالمثل الشعبي يقول: "الفقر لا يعتدي على أحد"، وربما يقصد بذلك أن الإنسان يمتلك دائماً القدرة على مقاومة ظروفه بالإرادة والعمل. فالفقر المادي، على قسوته، قد يكون أهون أنواع الفقر، بينما يظل الأخطر هو فقر الفكر والإرادة وقلة الحيلة والاستسلام للاتكالية.
هل تحدثنا يوماً عن "ثقافة الوظيفة"؟ هذه الثقافة رسخت في أذهان الكثيرين فكرة أن الوظيفة الحكومية هي الهدف الأسمى بحد ذاته، وليست مجرد وسيلة للعمل والإنتاج. لقد اندفع الناس خلف الراتب الثابت، وتخلى بعضهم عن أراضيه ومهنه وحرفه ومشاريعهم الصغيرة التي كانت قادرة على توفير دخل أفضل واستقلالية أكبر. اختار الكثيرون ما ظنوه الطريق الأسهل، وربطوا مفهوم الكرامة بمكتب وكرسي ولقب وظيفي وراتب آخر الشهر، حتى وإن كان هذا الراتب لا يكفي لتغطية نفقات سوى أيام قليلة.
مع مرور الوقت، أصبحت حياة الكثيرين مرتبطة كلياً بالوظيفة، حتى باتت المصدر الوحيد للدخل والأمل، مما جعلهم أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية. والأكثر إيلاماً أن بعضهم بذل جهوداً مضنية للحصول على وظيفة، وانتظروا سنوات طويلة، وطرقوا أبواب المسؤولين، وأنفقوا أموالاً كان يمكن استثمارها في تعلم مهنة أو تأسيس مشروع صغير يعود بالنفع عليهم وعلى أسرهم.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الوظيفة بحد ذاتها، فهي عمل شريف ومهم، بل في حصر مفهوم النجاح بها فقط، وإهمال بقية أشكال العمل والإنتاج. لقد ترسخت لدى البعض فكرة خاطئة مفادها أن قيمة الإنسان تتحدد بوظيفته أو منصبه، بينما الحقيقة الراسخة هي أن القيمة الحقيقية تكمن في الإنتاج والعطاء والاستقلالية والقدرة على الاعتماد على النفس.
لذلك، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لثقافة العمل بجميع أشكاله؛ سواء كان زراعياً أو حرفياً أو مهنياً أو تجارياً أو صناعياً أو خدمياً. فكل عمل مشروع يحترم القانون ويخدم المجتمع هو عمل كريم يستحق كل التقدير والاحترام.
لا يوجد عذر لشاب أو رجل أو امرأة قادرين على العمل، إلا العذر الصحي الحقيقي الذي يمنعهم من الكسب. فمهما كان العمل بسيطاً، فإنه يبقى أشرف من انتظار المساعدة أو الاستسلام لليأس. والعمل الذي يوفر خبز اليوم بكرامة أفضل بكثير من الاتكالية وانتظار الحلول من الآخرين.
إن تغيير الواقع يبدأ بتغيير طريقة التفكير. فالأمم لا تتقدم بالشكاوى وحدها، بل بالعمل الجاد والإبداع وتحمل المسؤولية. لذلك، فإن أول خطوة نحو مستقبل أفضل هي أن نعيد الاعتبار لقيمة العمل، وأن نغرس في الأجيال الجديدة ثقافة المبادرة والاجتهاد والاعتماد على النفس. فالفرص لا تأتي دائماً جاهزة، وإنما تُصنع بالإرادة والصبر والسعي، ومن يسلك طريق العمل بصدق سيجد أن الله لا يضيع أجر الساعين. إن تغيير ما بأنفسنا ليس مجرد شعار، بل هو شرط أساسي لأي تغيير حقيقي في حياتنا ومجتمعاتنا.
المصدر: موقع أخبار سوريا الوطن
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة