أيمن بيطار: فنان سوري يحيي فن الأيقونة الأنطاكية ويترك بصمته في كنائس العالم


هذا الخبر بعنوان "أيمن بيطار… فنان سوري يكتب الأيقونة باللون والروح" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مرسمه الهادئ بحمص، حيث تتجلى الألوان والخشب والوجوه المضيئة، يقدم الفنان التشكيلي أيمن بيطار الأيقونة ككيان يتجاوز مجرد كونها لوحة دينية أو جدارية كنسية. بالنسبة لبيطار، هي ذاكرة روحية تتجسد باللون، وحوار بصري عميق يربط بين الصورة والإيمان. يجلس الفنان أمام أعماله بسكينة الخبير، مدركاً أن إنجاز الأيقونة يتطلب صبراً ومعرفة وتأملاً عميقاً، لا مجرد سرعة في التنفيذ.
على مدار أكثر من أربعة عقود، حمل بيطار، ابن مدينة حمص، هذا الفن العريق إلى كنائس وجدران في مختلف أنحاء العالم. لقد استعاد من خلال أعماله ملامح المدرسة الشرقية الأنطاكية الأصيلة، مؤكداً أن الأيقونة تتعدى كونها زينة بصرية؛ فهي لغة روحية غنية بقواعدها ورموزها ورسائلها التي تخترق الشكل لتصل إلى المعنى العميق.
بدأ شغف بيطار بفن الأيقونة في سن مبكرة جداً، حيث لفتت إحدى لوحاته انتباه المطران ألكسي عبد الكريم وهو في السابعة عشرة من عمره. يروي بيطار لمراسلة سانا أن فن الأيقونات في سوريا كان آنذاك بحاجة ماسة إلى رسامين متخصصين يمتلكون القدرة على إحياء هذا الفن والحفاظ على أصوله العريقة.
في عام 1989، انطلق بيطار لدراسة قواعد فن الأيقونات في اليونان، التي يعتبرها النبع الأساسي للفن البيزنطي. هناك، أمضى وقته متنقلاً بين الكنائس والأديرة ومحترفات كبار رسامي الأيقونات، متتبعاً أسرار هذا الفن من مصادره الأولى ومتعمقاً في مدارسه التقليدية وأساليب تنفيذه.
يتذكر بيطار أن التحدي الأبرز في مسيرته الفنية المبكرة كان عندما كلفه المطران ألكسي بإنجاز أيقونات كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص القديمة. لم يكن العمل سهلاً، خاصة مع ارتفاع الجدران الذي وصل إلى حوالي 17 متراً، والحاجة لتأمين المواد من اليونان. ومع ذلك، تحولت هذه التجربة إلى محطة مفصلية رسخت ثقته بقدرته على المضي قدماً في هذا الدرب الفني.
يؤكد بيطار أن "كتابة الأيقونة"، كما يفضل تسميتها، هي فن قائم بذاته يختلف جوهرياً عن اللوحة التشكيلية من حيث الغاية والبناء والرموز. فالأيقونة لا تسعى فقط إلى الجمال البصري، بل تهدف إلى إيصال معنى روحي وإنساني عميق عبر الخطوط والألوان والحركة الصامتة للوجوه والأجساد.
ويوضح أن الأيقونة نشأت تاريخياً كوسيلة بصرية لمساعدة الأميين على فهم الأحداث المقدسة. لذا، لا تكمن قيمتها الحقيقية في زخرفتها، بل في مضمونها وقدرتها على إثارة إحساس بالخشوع لدى المشاهد.
ويضيف بيطار أن كل لون وخط ونظرة داخل الأيقونة يحمل دلالة محددة. فالرسام لا يتعامل معها بحرية مطلقة كما في الفن التشكيلي، بل يلتزم بنظام روحي وفني متوارث يتطلب معرفة دقيقة بالتاريخ والرموز والمدارس الفنية.
وعن مراحل إنجاز الأيقونة، يشرح بيطار وجود نوعين أساسيين: أيقونات خشبية متحركة، وأيقونات جدارية ثابتة. تبدأ العملية بتحضير السطح بمواد خاصة، ثم وضع المخطط الأولي، قبل الانتقال إلى تطبيق اللون والطبقات النهائية.
يستخدم الفنان في أعماله الألوان الطبيعية المستخرجة من الأرض، والخالية من المواد الكيميائية، ممزوجة بصفار البيض وفق تقنية قديمة تمنح الأيقونة ديمومة وقدرة على مقاومة عوامل الزمن. ويؤكد بيطار أن التقنية في هذا الفن ليست مجرد مهارة يدوية، بل هي علاقة روحية عميقة بين كاتب الأيقونة وعمله، فالمطلوب ليس فقط إنتاج صورة جميلة، بل عمل يحمل طاقة وجدانية مؤثرة.
يرى بيطار أن الحفاظ على أصول هذا الفن لا يقل أهمية عن ممارسته، فالأيقونة تتطلب دراسة أكاديمية وحرفية عالية، ولا تكتفي بموهبة عابرة.
لقد ترك بيطار بصمته الفنية في العديد من الكنائس داخل سوريا وخارجها، منها كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص، وكنائس القديسة أولغا في أثينا، ومار إلياس المطيلب في الرابية بلبنان، والقديس جاورجيوس في بورتلاند بولاية أوريغون الأمريكية، والقديس ديمتريوس في ألمانيا، والسيدة العذراء في الإسكندرية بمصر.
كما حظي بيطار بتكريمات محلية وعالمية، أبرزها تكريم من قسم الكنائس في وزارة الخارجية اليونانية. وقد مُنح فرصة لمتابعة دراسة ترميم الأيقونات والتنقيب عن الآثار لمدة خمس سنوات إضافية، بعد إتمامه دراسة فن الأيقونات في كلية الفنون التشكيلية باليونان.
يطمح بيطار اليوم إلى نقل خبرته الغنية للأجيال الجديدة من خلال إحداث معهد متخصص، بالتعاون مع الجهات المعنية. يهدف هذا المعهد ليكون مقصداً للهواة والباحثين عن الفن البيزنطي في سوريا والمنطقة، ومركزاً يحفظ هذا الفن من العشوائية والاندثار.
من جانبه، يرى الأب أندراوس تامر، خادم كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً في حمص، أن أيمن بيطار يمثل حالة فنية متميزة، فقد استطاع أن يترك أثراً واضحاً وعميقاً في هذه الكاتدرائية العريقة.
ويؤكد الأب تامر أن تجربة بيطار تجمع بين القيمة الفنية والروحية، إذ تواصل تقليداً سورياً عريقاً في فن الأيقونة، وتحافظ على الجمال المرتبط بالقيم والسلام والذاكرة.
يذكر أن الفنان أيمن بيطار من مواليد حمص عام 1963، ويُعد من الأسماء السورية البارزة في فن الأيقونات. وقد عرفت سوريا منذ مطلع القرن التاسع عشر مدارس مهمة في هذا الفن، من أبرزها المدرسة الحلبية التي أسهمت في انتشاره في المشرق وتميزت بألوانها الزاهية وخطوطها الانسيابية. كما اشتهر في حمص الرسام نعمة ناصر وابنه إبراهيم في هذا المجال.
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة