أمسية استثنائية في أوبرا دمشق: المايسترو زركلي يفكك عبقرية بيتهوفن بين التحليل والعزف الحي


هذا الخبر بعنوان "أمسية موسيقية تحليلية في دار الأوبرا بدمشق تضيء على عبقرية بيتهوفن ومسيرته" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت دار الأوبرا بدمشق مساء اليوم الإثنين أمسية ثقافية فنية فريدة، حيث جمع المايسترو غزوان زركلي ببراعة بين التحليل الفني العميق والجانب الوجداني من حياة المؤلف الموسيقي الألماني الشهير لودفيغ فان بيتهوفن. وقدّم زركلي خلال الأمسية مقطوعات موسيقية بعزف حيّ على البيانو، ما أضفى تفاعلاً خاصاً على الحدث.
استهل المايسترو زركلي الأمسية بعزف حي للقطعة الأولى من "سوناتا ضوء القمر"، التي تُعد من أشهر مؤلفات بيتهوفن للبيانو. عقب ذلك، انتقل إلى استعراض الجوانب المحورية في حياة بيتهوفن، الذي امتدت حياته بين عامي 1770 و1827، متقاطعاً بين نهاية العصر الكلاسيكي وبداية الرومانتيكي. وقد بدأ زركلي بسرد تفصيلي لوصية بيتهوفن الشهيرة التي كتبها في فيينا عام 1802، في فترة عصيبة كان يفكر فيها بالانتحار إثر تفاقم فقدانه لحاسة السمع.
وأشار زركلي إلى أن بيتهوفن كتب وصيته بخط متعثر يعكس حالته النفسية الصعبة آنذاك، حيث تظهر سطورها تردده الواضح في قرار الانتحار. كما دلّت الأخطاء الإملائية التي تخللت الوصية على توتر عواطفه وتدافع أحاسيسه في تلك المرحلة.
تطرق زركلي أيضاً إلى الصمم الذي أصاب بيتهوفن، والذي كان في آن واحد مصدراً للإلهام والمعاناة. فمع فقدانه السمع في النصف الثاني من حياته، لم يعد بيتهوفن قادراً على سماع ألحانه الخالدة التي ألفها. وبدلاً من ذلك، كان يستمع إلى المقطوعات ويستحضرها في عقله الباطن، وهو ما ترك أثراً عميقاً في مسيرته الفنية والشخصية.
بعد ذلك، انتقل المايسترو زركلي من الجانب الوجداني في حياة بيتهوفن ليعزف مجدداً "السوناتا رقم 31 المصنف 110"، التي ألفها بيتهوفن عام 1821. تتميز هذه السوناتا بعمقها الفلسفي والديني والوجداني، وتتألف من عدة حركات؛ تبدأ الأولى بهدوء وطابع معتدل، ثم تتصاعد في الثانية إلى حركة قصيرة وسريعة، بينما تأتي الحركة الثالثة كرثاء، لتختتم بانعكاس للحركة الأولى.
وصف زركلي هذه المقطوعة بأنها تجسيد حسي سمعي لوصية بيتهوفن، على الرغم من أنه ألفها بعد عشرين عاماً من كتابة الوصية. وأكد أن كل مستمع يتفاعل مع المقطوعات الموسيقية وفقاً لتجربته الشخصية ومشاعره، فالموسيقا لا تُصوّر الواقع بل تُعاش وتُدرك بالشعور وحده.
بعد ذلك، فُتح باب النقاش أمام الحضور في أجواء تفاعلية، حيث طرح البعض أسئلة على زركلي حول مقارنة مؤلفات بيتهوفن قبل وبعد إصابته بالصمم. وشرح المايسترو الفروقات بين بيتهوفن وموزارت، الذي التقاه بيتهوفن وعزف له، وكذلك علاقته بهايدن. وأشار إلى أن الارتجال كان سمة بارزة في فن بيتهوفن، وأن الدراسات تدل على أن ارتجالاته كانت أسمى وأعمق من مؤلفاته المكتوبة، ما يؤكد عبقريته الفذة.
واختتم زركلي برنامجه بعزف "باغاتيل الستة" لبيتهوفن، وهي المجموعة المصنفة 126. تحمل هذه المقطوعات خصوصية استثنائية كونها آخر ما أهداه العبقري الراحل للبيانو المنفرد عام 1824. ورغم أنها تنتمي إلى قالب كلاسيكي عُرف ببساطته وقصره، إلا أن بيتهوفن ارتقى بها في هذه القطع الست، لتصبح مجموعته الأشهر والأعمق في تاريخ فن البيانو.
وفي تصريح لمراسلة سانا، أوضح الموسيقار زركلي أن هذه الأمسية تتميز بطابع خاص يختلف عن الحفلات الموسيقية التقليدية. فهي تجمع بين الأداء الموسيقي الحي والمحاضرة التوضيحية، بالإضافة إلى الحوار المباشر مع الجمهور، مما يوفر فرصة أوسع للتفاعل وفهم أعمق للأعمال الموسيقية المقدمة. وأكد أن الهدف من هذا الشكل التفاعلي هو تعزيز الصلة بين الجمهور والموسيقا الكلاسيكية، وإتاحة المجال للحاضرين لطرح الأسئلة والمشاركة في النقاش.
كما تناول زركلي تجربة الموسيقار بيتهوفن، مشيراً إلى أن عبقريته معروفة على نطاق واسع رغم فقدانه السمع الكامل في سنواته الأخيرة. لكن ما يثير الدهشة حقاً هو قدرته الفائقة على تأليف أعظم أعماله الموسيقية خلال تلك الفترة. وأوضح أن بيتهوفن اعتمد على ما يُعرف بـ "السمع الداخلي"، وهي قدرة استثنائية تمكن الموسيقي من استحضار البنى اللحنية والهارمونية المعقدة بكل تفاصيلها في ذهنه، مما يجعل تجربته إحدى أكثر الظواهر إلهاماً في تاريخ الموسيقا.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة