د. سلمان ريا: بناء الهوية الوطنية السورية.. الجغرافيا توحد ما يفرقه التاريخ


هذا الخبر بعنوان "الهوية الوطنية بين الجغرافيا والتاريخ: عندما يوحّد المكان ما يفرّقه الماضي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت الأزمة السورية، كما يوضح د. سلمان ريا، عن وفرة في الأصوات الثقافية والفكرية، لكنها في الوقت ذاته أبرزت حاجة ماسة إلى رجال دولة يمتلكون القدرة على تحويل التضحيات الوطنية إلى مشروع جامع للمستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل تتطلب رؤى واضحة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتحول الدم المهدور إلى إنجاز سياسي يعزز وحدة المجتمع ويصون كرامته.
لا يزال الجدل السياسي يدور في حلقة مفرغة إلى حد كبير، ويعود ذلك إلى الغموض الذي يكتنف المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الحياة العامة. فما زال هناك خلط بين الدولة والسلطة، وبين الأمة والشعب، وبين القومية والمواطنة، وكذلك بين الهوية والانتماء. وعندما تضطرب هذه المفاهيم، تتبعها السياسات المضطربة، وتتحول الشعارات إلى بديل عن التفكير العميق، والانفعالات إلى بديل عن الرؤية الاستراتيجية.
لقد أدى ضعف الإنتاج الفكري والسياسي على الصعيد المحلي إلى فتح الباب أمام هيمنة نماذج ثقافية مستوردة، قُدمت على أنها حقائق كونية نهائية. ومع مرور الزمن، لم تعد المشكلة تقتصر على تأثير هذه النماذج فحسب، بل امتدت إلى تبنيها بصورة غير نقدية، مما جعل الكثيرين يقيسون واقعهم ومعايير تقدمهم وفق نماذج خارجية لا تنبع بالضرورة من ظروفهم التاريخية والاجتماعية الخاصة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالغرب أو بغيره، بل بنا نحن: كيف يمكننا بناء هوية وطنية قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر قوة بدل أن يكون سبباً للانقسام؟ هنا تبرز العلاقة المعقدة بين التاريخ والجغرافيا في تشكيل الهوية الوطنية. فحين تُقدم الهويات كمعطيات مكتملة مستمدة من روايات تاريخية متنافسة، يتحول التاريخ إلى ساحة صراع لا ينتهي، تتنازع فيه الجماعات على الأسبقية والأحقية والشرعية.
أما عندما يُنظر إلى الوطن كفضاء جغرافي مشترك يجمع أبناءه في حاضر ومستقبل واحد، فإن التنوع يتحول من عامل تنافر إلى عامل إثراء، ومن مصدر انقسام إلى عنصر تكامل. فالتاريخ يحمل في طياته أمجاداً وصراعات، انتصارات وهزائم، ذاكرة مشتركة وجراحاً متوارثة. ولذلك، فإن الإفراط في استدعائه قد يحول الماضي إلى سجن للحاضر. في المقابل، الجغرافيا هي الواقع الحي الذي يلتقي فيه الجميع، وهي الأرض التي تفرض التعايش والتفاعل والتعاون بغض النظر عن اختلاف الأصول والروايات والانتماءات الفرعية.
إن الأمم الحية لا تُبنى على اجترار الخصومات القديمة، بل على القدرة على إنتاج مشروع وطني مشترك. فالهويات المنغلقة على سردياتها الخاصة تبقى أسيرة الماضي، بينما الهوية الوطنية القادرة على التطور هي تلك التي تنمو من التفاعل المستمر بين مكونات المجتمع داخل فضائه الجغرافي المشترك، فتكتسب مع الزمن مضموناً حضارياً وإنسانياً أوسع. ومن هنا، تصبح المهمة الأساسية هي تعزيز الروابط الوطنية العابرة للانقسامات التقليدية، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أساس العلاقة بين الفرد والدولة.
يجب أن يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة وواجباته متساوية مع غيره، وأن انتماءه للمؤسسات الوطنية يمنحه الكرامة والفرصة والمشاركة، بدلاً من أن يبقى أسيراً لولاءات ما قبل الدولة. إن بناء الهوية الوطنية ليس عملية استدعاء للماضي بقدر ما هو عملية صناعة للمستقبل. فالأوطان القوية لا تقوم على وحدة الذاكرة فقط، بل على وحدة المصير أيضاً. وعندما يصبح الوطن إطاراً جامعاً لجميع أبنائه، تتحول الاختلافات من أسباب للنزاع إلى مصادر للغنى، ويغدو التنوع رافعةً للوحدة لا تهديداً لها.
فالمشكلة ليست في المصطلحات ذاتها، بل في المضامين التي نحملها إليها. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة إنتاج مفاهيم الدولة والمواطنة والهوية والعدالة بما ينسجم مع حاجات المجتمع المعاصر، ويحرره من أسر الماضي دون أن يقطع صلته به، ويفتح أمامه أفقاً جديداً تتقدم فيه الدولة بوصفها بيتاً مشتركاً لجميع مواطنيها، لا ساحةً لصراع الهويات المتنافسة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة