أفاميا السورية تستعيد بريقها الحضاري: إيسيسكو تدرج مدينة الأعمدة الأثرية ضمن قوائم التراث


هذا الخبر بعنوان "أفاميا على قوائم إيسيسكو.. مدينة الأعمدة تستعيد حضورها الحضاري" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد أفاميا، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر العاصي، أكثر من مجرد مدينة أثرية؛ فهي تختزل في حجارتها تاريخاً عسكرياً واقتصادياً وفنياً يمتد من العصر الهلنستي إلى الروماني والبيزنطي والإسلامي. وقد عاد اسمها اليوم إلى الواجهة بإدراجها على قوائم التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو”. يشكل هذا الإدراج محطة ثقافية مهمة تعكس القيمة الاستثنائية للتراث السوري، ويسلط الضوء على واحدة من أبرز المدن الكلاسيكية في الشرق القديم، في وقت تتواصل فيه الجهود الوطنية والدولية لإعادة إبراز المواقع الأثرية السورية وحماية ما تعرض منها للأضرار خلال السنوات الماضية.
بيّن رئيس دائرة الآثار والمتاحف بحماة، مروان أحمد جربان، في تصريح لـ سانا، أن أفاميا تقع على بعد نحو 55 كيلومتراً شمال غرب مدينة حماة، فوق هضبة كلسية تشرف على سهل الغاب، وهو موقع منحها أهمية استراتيجية منذ العصور القديمة. ووفقاً للمديرية العامة للآثار والمتاحف ودراسات أثرية متخصصة، تعود جذور الاستيطان البشري في المنطقة إلى عصور موغلة في القدم. غير أن المدينة ازدهرت بصورتها المعروفة في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، عندما أسسها القائد السلوقي سلوقس الأول نيكاتور بين عامي 300 و299 قبل الميلاد، وأطلق عليها اسم أفاميا نسبة إلى زوجته أباما أو أباميا ذات الأصل الفارسي.
سرعان ما تحولت المدينة إلى إحدى أهم الحواضر السلوقية الأربع في سوريا، إلى جانب أنطاكية وسلوقية بيريا واللاذقية، وشكلت مركزاً عسكرياً وإدارياً واقتصادياً بارزاً في المنطقة. ولفت رئيس دائرة الآثار والمتاحف بحماة إلى أن أفاميا تميزت خلال العصر السلوقي بدورها العسكري الكبير، إذ كانت أحد أهم مراكز تربية الخيول والفيلة الحربية في العالم القديم، وتشير المصادر التاريخية إلى أنها احتضنت آلاف الخيول ومئات الفيلة المستخدمة في الجيوش السلوقية. ومع انتقالها إلى الحكم الروماني عام 64 قبل الميلاد، دخلت المدينة مرحلة جديدة من الازدهار العمراني والتجاري، وأصبحت محطة رئيسية على طرق التجارة التي ربطت البحر المتوسط ببلاد الرافدين والجزيرة العربية، ما جعلها من أكبر مدن الشرق الروماني وأكثرها حيوية.
يُعد الشارع المعمد في أفاميا من أشهر معالمها الأثرية وأكثرها تميزاً على مستوى العالم، إذ يمتد بطول يقارب 1850 متراً، وعرض يصل إلى 37 متراً، ويصطف على جانبيه أكثر من ألف عمود حجري مزخرف، ما يمنح الزائر إحساساً بضخامة المدينة واتساع حياتها القديمة. يمثل هذا الشارع نموذجاً متقدماً للتخطيط العمراني في العصر الروماني، حيث كانت تنتشر على جانبيه الأسواق والحمامات العامة والمعابد والمباني الإدارية، ليكون القلب الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، وشاهداً على المستوى الهندسي والفني الذي بلغته العمارة السورية القديمة.
وإلى جانب هذا الشارع، تضم أفاميا مجموعة كبيرة من المنشآت الأثرية المهمة، منها المسرح الروماني الذي يعد من أكبر المسارح في سوريا، إضافةً إلى الحمامات العامة والكنائس البيزنطية والقصور والساحات العامة ومباني الحكم. كما كشفت أعمال التنقيب الأثري عن لوحات فسيفسائية تعد من أجمل المكتشفات الفنية في الشرق القديم، وتتميز بدقة تنفيذها وغناها بالمشاهد الأسطورية والحياتية والنباتية. وبيّن رئيس دائرة الآثار والمتاحف بحماة أن العديد من هذه المكتشفات تحفظ في متحف أفاميا، الذي اتخذ من خان عثماني تاريخي مقراً له، ويضم مجموعات أثرية تمثل المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة.
تعكس طبقات أفاميا الأثرية تعاقب حضارات متعددة على الموقع، بدءاً من العهد الهلنستي، مروراً بالروماني والبيزنطي، وصولاً إلى الفتح الإسلامي، بما يجعلها سجلاً مفتوحاً لتاريخ طويل من التفاعل الحضاري. وخلال العصر البيزنطي تحولت المدينة إلى مركز ديني مهم، وشهدت بناء العديد من الكنائس والمنشآت الدينية، فيما استمرت مأهولة خلال الفترات الإسلامية المبكرة، محتفظة بمكانتها ضمن شبكة المدن السورية التاريخية. وتظهر المكتشفات الأثرية في الموقع تنوعاً ثقافياً وحضارياً يعكس دور سوريا التاريخي بوصفها نقطة التقاء بين الحضارات الشرقية والغربية، ومعبراً للأفكار والفنون والتجارة عبر العصور.
حسب رئيس دائرة الآثار والمتاحف بحماة، لم يبق هذا السجل الحضاري بمنأى عن أخطار الحاضر، إذ تعرضت أفاميا خلال سنوات الثورة لأعمال تنقيب غير شرعية واعتداءات ألحقت أضراراً بعدد من معالمها الأثرية، وهو ما وثقته تقارير دولية والمديرية العامة للآثار والمتاحف. ورغم ما تعرضت له أفاميا من أضرار، لا تزال المدينة تحتفظ بجزء كبير من قيمتها التاريخية والأثرية، فيما يمنح إدراجها على قوائم إيسيسكو زخماً جديداً لجهود حمايتها وتوثيقها، ويعيد إبرازها بوصفها شاهداً على حضور التراث السوري في الذاكرة الإنسانية المشتركة.
وكانت المديرية العامة للآثار والمتاحف قد أعلنت في الخامس والعشرين من أيار الماضي تسجيل 9 مواقع تراثية جديدة على لائحة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” بما فيها أفاميا، بعد انقطاع 14 سنة، في خطوة تعيد التأكيد على المكانة الحضارية والتاريخية للموروث السوري، وتبرز حضوره في مسارات التعريف الدولي بالتراث الإسلامي والعالمي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة