التراث كمرآة للحداثة: كتاب ثائر زين الدين يفكك استلهام الشخصيات القديمة في الشعر المعاصر


هذا الخبر بعنوان "الحداثة ترتدي أقنعة القدماء.. قراءة في كتاب ثائر زين الدين عن حضور التراث في الشعر المعاصر" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يكشف كتاب الدكتور ثائر زين الدين الصادر حديثاً بعنوان “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام شخصيات من التراث الأدبي في الشعر العربي المعاصر”، أن التراث ليس زمناً منتهياً أو مجرد أسماء محفوظة في الذاكرة، بل هو طاقة حية تعود إلى القصيدة الحديثة بأقنعة شخصيات مثل المتنبي وديك الجن الحمصي وأبي فراس الحمداني. ويبرز الكتاب مفارقة لافتة مفادها أن الشعر العربي المعاصر، كلما أوغل في حداثته، استدعى الماضي ليعبّر من خلاله عن قلق الإنسان الراهن وانكساراته وأحلامه المؤجلة.
يتضمن الكتاب مدخلاً نظرياً موسعاً يفكك ظاهرة استلهام الشخصيات التراثية، ويرصد تحولها التاريخي في الشعر العربي الحديث. ويوضح أن هذه الظاهرة مرت بمرحلتين رئيسيتين: الأولى مرحلة “تسجيل الشخصية”، حيث يقوم الشاعر بإحياء الشخصية وتسجيل حياتها والحوادث التي مرت بها، كما فعل شعراء مدرسة الإحياء. أما الثانية، وهي الأكثر نضجاً، فهي مرحلة “توظيف الشخصية”، حيث تتحول الشخصية من مادة حكائية جامدة إلى رمز نابض بالدلالات والمعاني.
التراث: طاقة شعرية متجددة
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسة، بالإضافة إلى قائمة غنية بالمصادر والمراجع، ويقدم دراسة نقدية تجمع بين التنظير الأكاديمي والتطبيق العملي. ينطلق المؤلف من سؤال مركزي شغل النقاد والباحثين لعقود: كيف يتعامل الشاعر العربي المعاصر مع تراثه الأدبي؟ وما الآليات التي يعتمدها في استدعاء شخصيات الماضي وتحويلها إلى نصوص حاضرة؟ موضحاً أن الإنسان المعاصر قادر على التعبير عن قضاياه من قلق واغتراب وصراع وتكسر أحلام من خلال هذا الاستلهام.
ويستند المؤلف في تحليله إلى جملة من الأبعاد، أبرزها البعد الفني الذي يمثل الرغبة في إضفاء الموضوعية والدرامية على العاطفة الغنائية، والابتعاد عن طغيان الذاتية الرومانسية. كما يعتمد على البعد الفكري المتضمن البحث في التراث عن قيم إنسانية وروحية قادرة على رفد الشعر بمزيد من العمق والأصالة، إضافة إلى البعد النفسي الذي يمنح الشاعر فرصة للخروج من الذاتية الضيقة إلى تجربة الإنسان في كل عصر.
المتنبي وديك الجن: أقنعة القلق والجرح
يستحضر الكتاب في فصله الأول شخصية أبي الطيب المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، الذي يعود بقوة في الشعر العربي المعاصر ليعبّر عن مأساة المثقف العربي. ويتتبع حضوره عند أربعة من كبار الشعراء المعاصرين، وهم محمود درويش، وعبد الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وأدونيس، لنرى المتنبي بعين التحديث والتجديد، وبناء رمزية مغايرة تتماشى مع رؤيتهم الحداثية للشعر والتراث.
وينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى شخصية أقل حضوراً في المكتبة النقدية، لكنها شديدة الخصوبة والغنى، وهي ديك الجن الحمصي، شاعر العصر العباسي المعروف بعبقرية حزنه وغرابة حياته، وصاحب القصة المأسوية مع جاريته “ورد” التي قتلها غيظاً ثم مات عليها أسفاً. ويركز الباحث على تقنيتين رئيسيتين في التعامل مع هذه الشخصية: الأولى هي الاتحاد بشخصية ديك الجن (تقنية القناع الكلي)، وثانيها الانفصال عن الشخصية والاتحاد بها، ويحلل حضورها في أعمال كل من عمر أبو ريشة، ونزار قباني، وشوقي بزيع.
أبو فراس الحمداني: من أسر العدو إلى أسر الذات
يتناول الفصل الأخير في الكتاب شخصية أبي فراس الحمداني، صاحب “الروميات” الشهيرة التي نظمها في الأسر. ويوضح المؤلف أن الشعراء المعاصرين استلهموا أبا فراس لسببين رئيسيين؛ أولهما تجربة الأسر التي تحولت من الأسر الجسدي عند أبي فراس إلى استعارة للأسر السياسي والنفسي عند المعاصرين. وثانيهما ثنائية الفارس والشاعر، أي الصراع الداخلي بين القوة والهشاشة، بين السيف والقلم، بين الانتصار في المعركة والهزيمة في السياسة.
كما يحلل الفصل حضور أبي فراس عند ثلاثة شعراء وهم عبد الوهاب البياتي ومحمود درويش وراتب سكر، مشيراً إلى تحول أبي فراس الحمداني من شخصية تاريخية محددة إلى “أرشيف رمزي مفتوح”، يمكن توظيفه في سياقات متعددة من الأسير السياسي إلى العاشق المخذول، ومن الشاعر المتمكن إلى المقاتل الجريح.
ويختتم الكتاب بالتأكيد على فكرة مركزية تتلخص في أن التراث ليس سجن الحداثة ولا عائقاً أمام التجديد، بل هو معين متجدد يمكن للشاعر أن يستلهمه بشرط أن يقرأه “قراءة خلاقة”، قادرة على تحريره من زمنه القديم. كما يؤكد أن نجاح الشاعر في استلهام شخصية تراثية يقاس بقدرته على جعلها تتكلم لغة اليوم، وتتألم بآلام المعاصرين، وتحلم بأحلامهم، دون أن تفقد هويتها الأولى.
لمحة عن الكتاب والمؤلف
كتاب “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام شخصيات من التراث الأدبي في الشعر العربي المعاصر”، صادر عن دار كوزال في إسطنبول، من القطع المتوسط ويقع في 180 صفحة. أما المؤلف والمترجم ثائر زين الدين فهو شاعر ومترجم وناقد سوري، مهندس متخرج من جامعة دمشق وحاصل على درجة الدكتوراه من موسكو. صدر له نحو 75 كتاباً في مجالات الشعر والترجمة والنقد، ومنها ديوان “سيدة الفراشات”، ومن ترجماته كتاب “عودة الإنسان والحياة والمصير”، ومن نقده كتاب “أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي المعاصر”.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة