سوريا في ميزان ابن خلدون: صراع العصبية، الغلبة، والخوف في مرحلة التحول


هذا الخبر بعنوان "عن سوريا بين العصبية والغلبة والخوف" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن ابن خلدون مؤرخاً بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا مجرد راوٍ لأخبار الدول والقبائل والملوك. كان جوهر مشروعه يكمن في محاولة فهم ما يدفع المجتمعات للنهوض وما يسبب انهيارها، وكيف تتحول القوة إلى دولة، والدولة إلى سلطان، والسلطان إلى ظلم، ثم كيف ينتهي الظلم إلى خراب العمران. لهذا، تبدو "المقدمة" اليوم، بعد قرون طويلة على كتابتها، كنص مفتوح على لحظات الانتقال الكبرى؛ تلك اللحظات التي لم يغادر فيها المجتمع ماضيه بالكامل، ولم يدخل مستقبله بعد. هذا ما يطرحه بشار مبارك في "سناك سوري".
فالظلم، بحسب ابن خلدون، لا يخرّب ضمير الحاكم فحسب، بل يمتد ليخرّب الاقتصاد والسياسة والنفس البشرية. عندما يشعر الناس بأن جهدهم مسلوب، وحقوقهم غير مصونة، وكرامتهم مهددة، فإنهم يتراجعون عن العمل ويهربون من الإنتاج، ويبحثون عن النجاة الفردية. عندها يضعف السوق وتفقد الدولة مادتها الاجتماعية. إن أي نظام يحول المجتمع إلى رعايا خائفين، والاقتصاد إلى شبكات امتياز، والقانون إلى أداة طاعة له، والحيز العام إلى فضاء مراقب، فإنه يدمر شروط العمران التي تقوم عليها أي دولة، وهو ما فعله نظام بشار الأسد.
إن العودة إلى ابن خلدون لا تبدو ترفاً فكرياً في هذه المرحلة. فالأسئلة الكبرى تتطلب الخروج من الأجوبة الجاهزة التي تميل مع الأهواء، والابتعاد عن الافتراضات وتعميمها كحقائق مطلقة دون تحليل أو تحقق. وفي سياق متصل، نُشرت مقالات ذات صلة مثل "مسير صافيتا.. أكثر من مجرد مشي" بتاريخ الأحد، 31 مايو 2026، 10:59 ص، و"مسير صافيتا أكثر من مجرد مشي… حكايات تُولد على الطرقات" بتاريخ السبت، 30 مايو 2026، 2:47 م.
المسألة الآن ليست في سؤال السلطة ومن يحكم، بل في كيفية إعادة بناء العقد الاجتماعي السوري؟ وكيف تتحول لحظة الانهيار إلى لحظة تأسيس؟ وكيف يمكن ألا تتحول المرحلة الانتقالية وسقوط الاستبداد إلى دورة جديدة من الغلبة، والثأر، والخوف، وتفكك الدولة؟ يقول ابن خلدون: «المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية»، قاصداً أن تأسيس الملك أو انتزاعه يحتاج إلى رابطة جماعية قادرة على الغلبة والدفاع، لا إلى الفكرة وحدها. والعصبية هنا لا تعني التعصب بالمعنى الضيق، بل تعني قوة التضامن والانتماء والقدرة على الفعل الجماعي.
في سوريا، كانت العصبيات حاضرة دائماً، لكنها لم تكن دوماً مرئية أو معترفاً بها. نظام الأسد حاول أن يحتكر العصبية باسم الدولة، وأن يحوّل الدولة إلى بنية ولاء وخوف وامتيازات. في المقابل، أنتجت سنوات الثورة والحرب عصبيات مضادة: عصبية المظلومية، عصبية المناطق، عصبية الفصائل، عصبية العائلات، عصبية الشتات، عصبية الناجين، وعصبية الضحايا. وبعد سقوط النظام، انفجرت هذه العصبيات كلها إلى السطح، لا بوصفها شراً مطلقاً، بل بوصفها مادة خاماً للسياسة السورية الجديدة.
يعرف ابن خلدون أن العصبية التي تُسقط سلطة لا تكفي بالضرورة لبناء دولة. فالعصبية قد تكون قادرة على الغلبة، على إسقاط سلطة أو حماية جماعة أو فرض حضور سياسي، لكنها ليست قادرة وحدها على إنتاج الشرعية، وبناء الدولة. وهي إن بقيت أسيرة منطق المنتصر، سرعان ما تتحول إلى سلطة مغلقة تعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته لكن بلغة مختلفة. يكمن التحدي السوري اليوم في تحويل لحظة السقوط إلى لحظة تأسيس. وابن خلدون يعلمنا أن التاريخ لا يمنح المجتمعات فرصة مفتوحة إلى الأبد. هناك نافذة انتقالية قصيرة نسبياً، إما أن تُبنى خلالها قواعد جديدة، أو تعود القوى القديمة بأشكال مختلفة. فالدول لا تسقط دائماً دفعة واحدة، ولا تولد دفعة واحدة.
لو كان ابن خلدون بيننا، لم يكن ليسأل: هل انتهى الاستبداد؟ بل: هل انتهت قابلية المجتمع والدولة لإنتاج الاستبداد؟ هل تغيرت طريقة فهم السلطة؟ هل أصبحت الدولة ملكاً عاماً لا غنيمة؟ هل صار الاختلاف مقبولاً؟ هل يستطيع السوري أن يشعر أن القانون يحميه لا يطارده؟ هل يمكن لمن خسر في السياسة أن يبقى آمناً في وطنه؟ هذه هي الأسئلة "الخلدونية" الحقيقية. فإذا كانت سوريا الحاضر تريد أن تخرج فعلاً من قيد الماضي، فلا يكفي أن تقول إنها ضد النظام السابق. عليها أن تكون ضد الشروط التي أنتجت ذلك النظام: ضد حكم الأجهزة، ضد احتكار الحقيقة، ضد اقتصاد الولاء، ضد تحويل القضاء إلى أداة، ضد سحق المجتمع باسم الأمن، وضد اعتبار فئة من السوريين أكثر أهلية من غيرها لامتلاك الدولة. كما أن المركزية التي غيرت هوية دمشق، وحولتها إلى واحة للفرص، تركت بقية البلاد صحراءً.
أتفهم قلقك، لكن لا تخف؟ لو كان ابن خلدون بيننا لوددت أن أمضي الكثير من الوقت معه أشكوه تبدل المواقف لدى البعض وتغير خطابهم بين ليلة وضحاها، كيف تنهض سرديات وتنزوي سرديات، كيف يعاد تشكيل التاريخ والجغرافيا والهوية ويعاد اختراع الدولة. كنتُ أطلعته على أحدث طرائق الهِجاء التي ابتدعناها في الواقع الافتراضي والمعاش، وكيف يمكن أن تصبح الكلمة تهمة وحكماً وسيفاً مسلطاً على الرقاب. أتخيل ابن خلدون يتابع باهتمام لكل تفصيل، ليقول لي في النهاية: أتفهم مباعث القلق لديك، لكن، لما الخوف؟ وما الجديد فيما ذكرت! أنتم أبناء ثقافة الخوف التي سكنت لعقود أجسادكم ولغتكم وعلاقاتكم، والخوف الطويل لا يصنع مواطنين صادقين، بل يصنع ناجين. والناجي يتعلم كيف يخفي رأيه، كيف يناور، كيف يقول ما لا يعتقد، وكيف يحمي نفسه بالصمت. في لحظات التحول التي تتعرض لها المجتمعات، يصبح السؤال الضمني: ما اللغة التي تحميني؟ ما الرمز الذي لا يورطني؟ ما الخطاب الذي يجعلني قابلاً للاستخدام في المرحلة الجديدة؟
سيعيد ابن خلدون تذكيري بمقولته «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب»، هذا قانون اجتماعي يعمل بفعالية في لحظات الانكسار والتحول التي تتعرض لها المجتمعات والدول. وحين أسأله عن الغالب والمغلوب في سوريا اليوم، سيجيب بأن "الغالب" اليوم هو من يملك قدرة تعريف المرحلة: من يسميها نصراً أو تحريراً، أو انتقالاً، أو بناء دولة جديدة، أو استعادة السيادة، ومن يفرض رموزها الرسمية، خطابها الأخلاقي، وترتيبها الإداري. أما "المغلوب" فليس فقط أنصار النظام السابق، بل هم أيضاً فئات فقدت موقعها السابق، أو جماعات تشعر بانكشافها السياسي أو الاجتماعي، سواء كانوا رجال أعمال، نخب ثقافية، تكنوقراط، مجتمعات محلية، وحتى معارضون سابقون وجدوا أنفسهم خارج مركز القرار الجديد.
حين تتبدل السلطة، يتبدل معها "الديكور السياسي" للمجال العام، الشعارات، أسماء الساحات، لغة الإعلام، وطريقة الاحتفال العام، والكثير من تفاصيل الحياة اليومية. يعاد تعريف الرموز ودورها الوظيفي كمدخل للقبول أو الحماية أو الوصول. تتعلم الناس بسرعة أي رمز يفتح الأبواب وأي رمز يغلقها. سيقول لي ابن خلدون: هذا هو القانون الذي يحكم الدول في كل زمان ومكان، لم تكونوا استثناءاً سابقاً ولن تكونوا اليوم، ليست المرة الأولى التي يعاد فيها تشكيل ديكور الحكم في سوريا، وفي كل مرة استطاعت الناس أن تجد طريقها للتكيف والتماهي مع الواقع الجديد. هذا التكيف ليس بريئاً تماماً ولا زائفاً تماماً، بعض الناس تعبر فعلاً عن قناعاتها المؤجلة وأمل صادق تحقق، والبعض الآخر يجد في هذا التكيف ملاذه الآمن، وبين هذا وذاك فئات تمتهن التماهي مع كل جديد وتزاود على نفسها إذا لم تجد من تزاود عليه. هذا لا يعني بالتأكيد أن الجميع انتهازيون.
ستكون نصيحة ابن خلدون لنا في نهاية حديثه "ألا نقع في فخ التعميم"، فالناس عموماً لا تتحرك فقط وفق قناعاتها بل وفق منطق إدارة المخاطر. وفي لحظات التحول التي تتعرض لها المجتمعات، يصبح السؤال الضمني: ما اللغة التي تحميني؟ ما الرمز الذي لا يورطني؟ ما الخطاب الذي يجعلني قابلاً للاستخدام في المرحلة الجديدة؟
أخيراً، لا يجوز التعامل مع ابن خلدون كأنه يفسر كل شيء. فسوريا اليوم ليست مغرب القرن الرابع عشر. هناك دولة حديثة، حدود وطنية، مؤسسات أممية، اقتصاد عالمي، إعلام، عقبات، منظمات، لاجئون، وفاعلون خارجيون. وبين كل هذا هناك اليوم هوية سورية تتشكل. ليست فقط نتيجة قناعة فكرية أو مراجعة أخلاقية، بل نتيجة تبدل ميزان القوة. فئات واسعة تعيد ترتيب ذاكرتها، لغتها، رموزها، وعلاقاتها العامة وفق المركز الجديد للشرعية. البعض يفعل ذلك بإيمان، البعض بحذر، البعض بانتهازية، والبعض كآلية دفاع. لكن الخطر أن يتحول الاقتداء بالغالب إلى معيار وحيد للوطنية، فيُستبدل الولاء للسلطة القديمة بولاء لسلطة جديدة، وتُستبدل لغة الخوف بلغة خوف أخرى. كما أن الإدارة المحلية تشهد فوضى في الحوكمة ومركزية في القرار.
سياسة
سياسة
رياضة
اقتصاد