سوريا: الفقر والحرب يدفعان ملايين الأطفال إلى سوق العمل في اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال


هذا الخبر بعنوان "في يوم مكافحة عمالة الأطفال.. الفقر يدفع أطفال سوريا إلى سوق العمل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع إحياء العالم لليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال في 12 من حزيران، تتصاعد المخاوف بشأن تفاقم هذه الظاهرة في سوريا، التي تشهد تداعيات أكثر من عقد من الحرب والأزمات الاقتصادية المتتالية. تشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال السوريين يعيشون ظروفًا إنسانية قاسية، مما أجبر الكثير منهم على ترك مقاعد الدراسة والانخراط في أعمال مختلفة لدعم أسرهم.
على الرغم من غياب إحصاءات وطنية شاملة وحديثة حول أعداد الأطفال العاملين في سوريا، إلا أن الجهات الرسمية والخبراء والمنظمات الدولية تتفق على أن الظاهرة شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية. ويعزى هذا التوسع بشكل أساسي إلى الفقر، والنزوح، وفقدان مصادر الدخل، والارتفاع المتزايد لتكاليف المعيشة.
أكد حمد محمد بركل، مدير مديرية تفتيش العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في تصريح لعنب بلدي، أن الوزارة تقر بانتشار عمالة الأطفال بشكل كبير في الأعوام الأخيرة. وأشار إلى أن التسرب المدرسي واستقطاب المعامل الخاصة للأطفال بأجور متدنية يعدان من أبرز المظاهر المرتبطة بهذه الظاهرة.
وأوضح بركل أن قانون العمل السوري رقم “17” لعام 2010 ينظم تشغيل الأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا، بينما يحظر تمامًا تشغيل من هم دون سن 15 عامًا. ويرى أن الظروف التي مرت بها سوريا منذ عام 2011 ساهمت بشكل مباشر في تفاقم الظاهرة، من خلال اتساع رقعة الفقر والبطالة، وفقدان المعيل، والتفكك الأسري، بالإضافة إلى تراجع فرص التعليم وغياب المؤسسات التعليمية في بعض المناطق خلال سنوات النزاع، وما نتج عن ذلك من ارتفاع معدلات التسرب المدرسي.
ووفقًا للمسؤول في الوزارة، فإن المعامل الخاصة تعد من البيئات الرئيسية التي يعمل فيها الأطفال، حيث تم رصد مخالفات تتعلق بتشغيل أحداث في أعمال محظورة قانونًا أو تشغيلهم لساعات تتجاوز الحد المسموح به. وأضاف أن الوزارة تعتزم تكثيف الجولات التفتيشية على القطاعات التي تشهد نسبًا مرتفعة من تشغيل الأحداث، مع التركيز على الأعمال الخطرة التي قد تعرض الأطفال لمخاطر صحية أو جسدية.
تظهر بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل استمرار تسجيل مخالفات تتعلق بتشغيل الأطفال. ففي عام 2024، أصدرت الوزارة 23 قرار غرامة بحق جهات مخالفة شملت 48 حدثًا. بينما اقتصرت الإجراءات خلال عام 2025 على النشاطات التوعوية. وفي الربع الأول من عام 2026، عادت الوزارة لتصدر 22 قرار غرامة شملت 27 حدثًا.
تضمنت أبرز المخالفات المرصودة تشغيل أحداث دون السن القانونية، وتشغيلهم في أعمال محظورة، وتجاوز ساعات العمل المسموح بها قانونيًا، بالإضافة إلى غياب الوثائق الثبوتية وعدم الإعلان عن أحكام تشغيل الأحداث وفق الأنظمة النافذة.
وتؤكد الوزارة أنها تعمل على الحد من الظاهرة عبر مسارات متعددة تشمل تنفيذ حملات تفتيشية دورية، ومراجعة التشريعات ذات الصلة، وإعادة دمج الأطفال المتسربين في المدارس، ونشر الوعي المجتمعي، إلى جانب دعم الأسر الفقيرة بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية. كما أوضح بركل أن الوزارة تتعاون مع المؤسسات الاجتماعية والتربوية لإعادة الأطفال العاملين إلى مقاعد الدراسة، وتقديم أشكال مختلفة من الدعم المالي والرعاية النفسية للأسر والأطفال بالشراكة مع المنظمات الإنسانية.
غير أن جهود المكافحة، بحسب المسؤول الحكومي، تواجه تحديات عديدة أبرزها انتشار العمل غير المنظم، وضعف التمويل، ونقص الكوادر التفتيشية، فضلًا عن بعض العادات الاجتماعية التي تتسامح مع تشغيل الأطفال في سن مبكرة.
من جانبه، أكد عبد الباسط إبراهيم المحاوي، مسؤول برنامج العنف القائم على النوع الاجتماعي في منظمة الهيئة الطبية الدولية، أن الحرب السورية كانت العامل الأبرز في توسيع ظاهرة عمالة الأطفال مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011. وأضاف المحاوي، في حديث لعنب بلدي، أن سنوات النزاع وما رافقها من نزوح واسع وفقدان لمصادر الدخل دفعت أعدادًا متزايدة من الأطفال إلى دخول سوق العمل لمساعدة أسرهم في تأمين الاحتياجات الأساسية.
وأشار المحاوي إلى أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية تقف وراء معظم حالات عمالة الأطفال، وفي مقدمتها الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان أحد الوالدين أو المعيل الأساسي للأسرة، إضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار وضعف فرص التعليم أو صعوبة الوصول إلى المدارس. وبحسب الخبير الاجتماعي، فإن آثار العمل المبكر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال. وأوضح أن الطفل العامل قد يتعرض لحالات مستمرة من التوتر والقلق وفقدان الثقة بالنفس، كما يحرم من ممارسة طفولته الطبيعية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على نموه الاجتماعي وفرصه المستقبلية.
يرى المحاوي أن العلاقة بين عمالة الأطفال والتسرب المدرسي أصبحت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، حيث يؤدي الانخراط المبكر في سوق العمل إلى تراجع التحصيل الدراسي وانقطاع الأطفال عن التعليم بشكل كامل في كثير من الحالات. وأضاف أن استمرار هذه الظاهرة يهدد بارتفاع معدلات الأمية مستقبلًا، ويقلل من فرص الحصول على وظائف مستقرة ومؤهلة، مما يسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.
كما لفت إلى وجود فروقات بين البيئات المختلفة التي يعمل فيها الأطفال، موضحًا أن الأطفال في المناطق الريفية ينخرطون غالبًا في الأعمال الزراعية والأنشطة الشاقة المرتبطة بها، بينما يتركز عمل الأطفال في المدن داخل الأسواق والورش والمهن الخدمية. وأشار إلى أن الأطفال النازحين يواجهون مخاطر مضاعفة مقارنة بغيرهم، نتيجة هشاشة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية واعتماد أسرهم بدرجة أكبر على مصادر دخل غير مستقرة.
وحذر المحاوي من جملة المخاطر التي يتعرض لها الأطفال العاملون، بينها الاستغلال الاقتصادي من خلال الأجور المتدنية وساعات العمل الطويلة، والتعرض للإصابات والأمراض المهنية، فضلًا عن العنف الجسدي والنفسي والتحرش والاستغلال بأشكاله المختلفة. وأضاف أن الانخراط المبكر في بيئات العمل قد يزيد من احتمالات الانحراف الاجتماعي واكتساب سلوكيات سلبية أو التعرض للاستغلال من قبل جهات مختلفة.
تعكس بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حجم التحديات التي تواجه الأطفال في سوريا. ففي بيان صدر في 25 من آذار 2025، ذكرت المنظمة أن أكثر من 75% من أطفال سوريا، البالغ عددهم نحو 10.5 مليون طفل، ولدوا خلال سنوات الحرب التي استمرت 14 عامًا، مما يعني أنهم أمضوا طفولتهم كاملة تقريبًا في ظروف اتسمت بالعنف والتهجير والحرمان.
وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، إن سنوات الحرب والعنف دمرت حياة الأطفال السوريين، مؤكدة الحاجة إلى تحرك عاجل يضمن حصول الأطفال على التعليم واستعادة طفولتهم والعيش بعيدًا عن الخوف والعنف. وبحسب المنظمة، ما تزال الأوضاع الإنسانية للأطفال في سوريا “مروعة”، إذ يعيش تسعة من كل عشرة أشخاص تحت خط الفقر، بينما تلجأ أسر كثيرة تحت ضغط الظروف المعيشية إلى استراتيجيات قاسية للبقاء، من بينها تشغيل الأطفال أو تزويج القاصرات.
كما أشارت يونيسف إلى أن أكثر من 40% من المدارس السورية ما تزال مغلقة من أصل نحو 20 ألف مدرسة، مما يترك أكثر من 2.4 مليون طفل خارج العملية التعليمية، إضافة إلى أكثر من مليون طفل معرضين لخطر التسرب من التعليم.
لا تقتصر عمالة الأطفال على سوريا وحدها، إذ ما تزال تمثل تحديًا عالميًا رغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الماضية. وخلال فعالية نظمتها منظمة العمل الدولية في 9 من حزيران الحالي بمدينة جنيف بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، حذرت المنظمة من أن تباطؤ الجهود الدولية وتراجع التمويل المخصص للحماية الاجتماعية والتعليم قد يهددان المكاسب المحققة في هذا المجال.
وجاءت الفعالية تحت شعار “بطاقة حمراء ضد عمل الأطفال: من مراكش إلى العمل الفعلي”، بمشاركة ممثلين حكوميين ومنظمات عمالية وأصحاب عمل وجهات دولية معنية. وقال المدير العام لمنظمة العمل الدولية، جيلبرت هونغبو، إن الطفولة يجب أن تكون مرحلة للتعلم والنمو واللعب، إلا أن 138 مليون طفل حول العالم ما زالوا منخرطين في العمل. وأضاف أن أحدث التقديرات المشتركة بين المنظمة ويونيسف أظهرت أن 54 مليون طفل من هؤلاء يعملون في مهن خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم الجسدي والنفسي.
في سوريا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا نتيجة تراكم آثار الحرب والأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية، مما يجعل مكافحة عمالة الأطفال مرتبطة بمعالجة أسبابها الجذرية، وفي مقدمتها الفقر وتحسين فرص التعليم وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب تطبيق القوانين الرادعة وإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة