واشنطن وطهران وإسرائيل: تسوية مشروطة بالقوة في مشهد إقليمي متوتر


هذا الخبر بعنوان "تسوية مشروطة بالقوة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لحظة إقليمية تتداخل فيها الدبلوماسية مع اشتباك الميدان، يصف الدكتور سلمان ريا المشهد بين واشنطن وطهران بأنه محكوم بمعادلة غير مألوفة في العلاقات الدولية: تسوية مشروطة بالقوة. هذه الحالة ليست اتفاق سلام مكتمل ولا حرباً مفتوحة، بل هي وضع وسطي تُصاغ فيه التفاهمات المحتملة تحت سقف ردع عسكري نشط. هذا الواقع يجعل كل خطوة سياسية محكومة بظل التهديد، وكل تهدئة قابلة للارتداد عند أول احتكاك ميداني.
تتحرك الولايات المتحدة وفق منطق واضح يهدف إلى تثبيت أمن الطاقة والملاحة في الخليج، ومنع أي قدرة إيرانية على تعطيل شرايين الاقتصاد العالمي أو فرض معادلات سيطرة على الممرات البحرية. لذلك، لا تنظر واشنطن إلى التفاوض بوصفه تنازلاً، بل كأداة ضبط استراتيجي. هي تبقي الضغط قائماً عبر العقوبات والقدرة العسكرية، وتحوّل أي اتفاق إلى منظومة التزام قابلة للقياس والاختبار، لا إلى تفاهم سياسي مرن.
في المقابل، تتعامل إيران مع الملف باعتباره شبكة واحدة لا تتجزأ. فالبرنامج النووي ليس قضية تقنية منفصلة، بل جزء من معادلة نفوذ إقليمي ممتدة من الخليج إلى العراق ولبنان. ومن هنا تعتمد طهران منطق "تعدد الساحات"، حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى أوراق تفاوض. وتصبح القدرة على التأثير في الممرات البحرية أو دعم الحلفاء جزءاً من أدوات التوازن في مواجهة الضغط الغربي. الهدف ليس فقط رفع العقوبات، بل منع تحويل أي تسوية إلى تقييد شامل لدورها الإقليمي.
أما إسرائيل، فتتعاطى مع أي تفاهم لا يؤدي إلى تفكيك البنية الإيرانية العسكرية والنووية بوصفه تهدئة مؤقتة لا أكثر. من هذا المنظور، تميل تل أبيب إلى إبقاء مستوى من الضغط الأمني قائماً، لأن أي اتفاق جزئي يُنظر إليه كفرصة لإعادة التموضع لا كحل نهائي. وهكذا يبقى العامل الإسرائيلي قوة دفع دائمة نحو إبقاء التوتر ضمن مستوى قابل للاشتعال عند الحاجة.
في ضوء هذه التوازنات المعقدة، لا يبدو المشهد أمام مسار سلام تقليدي، بل أمام إعادة هندسة لإدارة الصراع. كل طرف يحتفظ بأدواته: واشنطن بالقوة الاقتصادية والعسكرية، طهران بالجغرافيا ونفوذ الوكلاء، وإسرائيل بخيار الضربات الاستباقية. هذا التشابك يجعل أي تفاهم أقرب إلى هدنة سياسية مرنة منه إلى تسوية مستقرة، ويجعل الاستقرار نفسه حالة مؤقتة لا بنية دائمة.
لذلك، يمكن تصور المستقبل عبر ثلاثة مسارات رئيسية: أولها استقرار هش يقوم على تفاهمات جزئية تخفف التصعيد دون إنهائه. وثانيها تآكل تدريجي لهذه التفاهمات مع انتقال التوتر بين ساحات متعددة، من الخليج إلى المشرق. أما المسار الثالث، وهو الأقل احتمالاً والأعلى كلفة، فيتمثل في انفجار إقليمي يعيد خلط قواعد الاشتباك بالكامل إذا خرج أحد الاحتكاكات عن السيطرة.
في المحصلة، لا يُقاس ما يتشكل اليوم بكونه اقتراباً من السلام بقدر ما يُقاس بقدرة الأطراف على إدارة التوتر دون فقدان السيطرة عليه. إنها لحظة تُدار فيها السياسة بوصفها امتداداً مضبوطاً للقوة، لا بديلاً عنها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة