الأنظمة الفرعونية: بصمة الإبادة السوداء وضرورة التعايش المجتمعي


هذا الخبر بعنوان "البصمة السوداء للنظام الفرعوني" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لكل كائن في هذه الحياة بصمته التي تميزه وتعرف به، وتحمل هذه البصمة جانبي الخير والشر معًا. فالدبور، على سبيل المثال، الذي نخشى لسعته القاتلة أحيانًا، له في المقابل فوائد بيئية جمة، كافتراس الحشرات والآفات الزراعية. من هنا، يدعو العالم إلى التوازن البيئي، حيث يتعايش الجميع دون غلبة أو انقراض لأي عنصر حيوي، وهو ما دفع لإنشاء المحميات الطبيعية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.
يؤمن العالم بأن جميع مكونات الكون وجدت معًا لتحقيق توازنه، وأن غياب أي مكون يؤدي بالضرورة إلى غياب الخير الذي يجلبه، واختلال التوازن، مما ينشر الأمراض ويقلل الغذاء ويغير المناخ. بالعودة إلى مثال الدبور، فإن غيابه يؤدي إلى انتشار الآفات الزراعية التي كان يتغذى عليها، مما يضطر المزارعين لاستخدام المبيدات، وبالتالي ترتفع تكاليف الإنتاج ويغلو سعر المنتج للمستهلك، مع تراجع جودته ومذاقه.
يدعو العالم هنا إلى التعايش مع الدبور لا التخلص منه، لما له من خير على التوازن البيئي، وتجنب شره الذي هو بمثابة دفاع عن النفس. هذا الشر يزول بمجرد اطمئنان الدبور لعدم وجود خطر عليه. لذلك، نجد الفلاح بفطرته وخبرته قد تعايش مع الدبور فلا يخشاه ولا يؤذيه، بل ينصحك بالهدوء وعدم إخافته بحركاتك المضطربة التي قد تدفعه للدفاع عن نفسه.
ينطبق مثال التوازن البيئي هذا على المجتمعات التي تسعى لتحقيق توازنها الداخلي من خلال قانون التعايش لا الإقصاء، وعبر دستور وطني يوحدها على مبدأ التعايش، دستور يجعل كل طرف يقدم بصمته الخيرة. في مقال سابق على جريدة "زمان الوصل" بعنوان "الاستبداد وقدسية المعارضة"، تحدث مصطفى حسين بطيخة بإيجاز عن أنواع الاستبداد الثلاثة، وأخطرها الاستبداد على مستوى الأمة، أو "الاستبداد الفرعوني" في التوصيف القرآني. هذا النظام يمثل تحالفًا متكاملًا بين الفرعون صاحب الغلبة العسكرية، ورجلي الدين والمال الفاسدين.
إنه الفرعون الإله الذي يقول: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي"، وتدل أفعاله على أنه "ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ"، و"فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ"، و"لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا"، و"لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ". لضمان استمرار ألوهيته، يقوم الفرعون بإنشاء العصبيات (الشيع بالمفهوم القرآني)، فالعصبية شرط لازم لوجوده. إنه سبب الخلل البيئي في المجتمع من خلال تشجيع استقواء عصبية على أخرى، فيذبحون أبناءهم ويذلونهم من خلال "استحياء النساء"، كما جاء في قوله تعالى: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ". يتصرف العصبوي بشكل غريزي وأعمى، دون حرمة لأحد أو ضوابط، فكل شيء مباح حتى القتل (راجع مقال مصطفى حسين بطيخة السابق على زمان الوصل بعنوان: فزعات العصبيات الفرعونية).
لذلك، لا غرابة في أن النظام الفرعوني هو أول من يهاجم قانون الأمم المتحدة الصادر عام 1948، والذي نص على منع الإبادة الجماعية لجماعة قومية أو عرقية أو دينية أو إثنية، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نفس العام، الذي يكفل حق الجميع في الحياة والمساواة وحرية الدين والحماية من التعذيب والتمييز. وقد صدرت قوانين أممية متعاقبة عديدة في هذا المجال، تسمح للأمم المتحدة بالتدخل في حال ثبوت الإبادة والجرائم ضد الإنسانية. على سبيل المثال، جرت تحقيقات دولية عدة ضد إسرائيل، وخلصت إلى ممارسات عنصرية وجرائم ضد الإنسانية، كقضية جدار الفصل العنصري عام 2004، وتحقيقات حرب غزة عامي 2008 و2014، وقضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل عام 2023، ولجان تحقيق دولية بعدها خلصت لاحتمالية وقوع جرائم إبادة.
إن جرائم الإبادة ضد الإنسانية هي البصمة السوداء لأي نظام فرعوني، كما جاء في قوله تعالى: "وَقَالَ ٱلمَلَأُ مِن قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَومَهُۥ لِيُفسِدُواْ فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبنَآءَهُم وَنَستَحيِۦ نِسَاءهُم وَإِنَّا فَوقَهُم قَٰهِرُونَ". إنه نداء القتل والإبادة للأبناء واستحياء النساء من قوم ضد قوم في نفس المنطقة الجغرافية. هذا هو النظام الفرعوني الذي يؤسس وجوده على الاقتتال الداخلي ضمن الوطن الواحد بين العصبيات المختلفة، ولا مشروع لديه إلا إشعال نار التطرف بنسائمها الحارقة. إنه الفرعوني الذي يهدده مطر التعايش الذي يطفئ هذه النار ويحمل السلام للمجتمعات.
لو استعرضنا بعض أمثلة الإبادة على عجالة، نبدأ بأشهرها في رواندا، حيث يمثل الهوتو الأغلبية بنسبة 85% والتوتسي 14%. كان حكم الرئيس الفرعون من الهوتو، جوفينال هابياريمانا، طويلًا لمدة 21 عامًا، وجاء بانقلاب عسكري. تميز حكمه بحكم الحزب الواحد والسلطوي والأمني والتمييز والدعاية الممنهجة ضد التوتسي، وفرض القيود في مجالات التعليم والوظائف. كانت نتيجة هذا النظام الفرعوني إبادة جماعية للتوتسي عام 1994، موثقة وفق الأمم المتحدة بقتل 800 ألف واغتصاب أكثر من 100 ألف امرأة خلال 100 يوم فقط. بعض القتلى كانوا من الهوتو المعتدلين (الكيوت) الذين قتلوا على يد الهوتو أنفسهم. في هذه الإبادة، قتلت عائلات بأكملها بصورة منظمة وممنهجة، وشارك فيها الهوتو حكومة ومدنيين (فزعات). انتهت هذه الإبادة بسيطرة الأقلية التوتسية على الحكم وإعلانهم إلغاء التمييز العرقي وإقامة دولة موحدة.
أما المثال الثاني وفق الأمم المتحدة فهو مجزرة مدينة سربرنيتشا في البوسنة والهرسك، التي جاءت نتيجة نظام فرعوني لحكم الرئيس تيتو الطويل لمدة 35 عامًا، والذي تميز بحكم الحزب والرجل الواحد. أدت وفاته عام 1980 إلى صعود العصبيات القومية ومتطرفيها وتفكك يوغوسلافيا. وثقت الأمم المتحدة أن هذه المجزرة عام 1995 أدت إلى قتل أكثر من 8000 مدني من المسلمين البوشناق خلال 10 أيام، معظمهم من الشيوخ والأطفال، على الرغم من إعلان الأمم المتحدة للمدينة منطقة آمنة. انتهى هذا الاقتتال العصبوي القومي بالتقسيم.
أما المثال الثالث وفق الأمم المتحدة فهو جريمة دارفور بداية عام 2003، والتي امتدت لحوالي 8 سنوات. جاءت نتيجة نظام الفرعون عمر البشير، الذي حكم لمدة طويلة بلغت 30 عامًا، وتميز بحكم الرجل الواحد وسيطرة واجهته الحزبية المتمثلة بحزب "المؤتمر الوطني" على البرلمان والأجهزة الأمنية والحكومية والإعلامية. انتهى حكم البشير بالثورة عليه عام 2018 وعزله وسجنه عام 2019. لم يكن ما حدث في دارفور إلا مطلبيًا في بدايته نتيجة التهميش، قبل أن يقوم النظام الفرعوني (البشيري) بتحريفه إلى اقتتال عصبوي قبلي عربي أفريقي. قدرت الأمم المتحدة القتلى بأكثر من 200 ألف، كما تم تسجيل استخدام سلاح الاغتصاب مع النساء والأطفال معًا.
كثيرة هي الجرائم ضد الإنسانية التي تم توثيقها، سواء في قرارات للأمم المتحدة أو بتحقيقات وتقارير منظمات إنسانية مستقلة بدون قرار دولي. لكن جميعها تشترك في أن هذه الجرائم تأتي نتيجة نظام فرعوني له صفاته الألوهية كفرعون، والسلطوية الأحادية في الحكم، وامتداده الطويل في البلاد. إنه نظام يستغل العصبيات و"فزعاتها" للقيام بمجازره المنظمة والممنهجة، والتي تُعتبر بصمته السوداء. لم تكن سوريا بمنأى عن هذه الجرائم، بدءًا من مجزرة حماة عام 1982 التي تنتظر التوثيق الأممي، ولكن بعض تقارير المنظمات الإنسانية تتحدث عن قرابة 10 آلاف قتيل وآلاف المفقودين. وانتقالًا إلى المجازر ما بين عامي 2011 و2024، والتي وثقتها تقارير الأمم المتحدة بأكثر من 350 ألف قتيل موثق، وانتهاءً بتقارير الأمم المتحدة عن أحداث الساحل (حوالي 1400 قتيل) وأحداث السويداء (حوالي 1700 قتيل) عام 2025.
إن هذه الجرائم لا تنتهي إلا بندوب طويلة في الذاكرة قد لا تشفى، وتقود إلى التقسيم العصبوي. وكما خلص مصطفى حسين بطيخة في نهاية مقال سابق على زمان الوصل بعنوان (الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية)، فإن الشعب يتحمل مسؤولية حدوث هذه الجرائم أو التخلص منها والصراخ بكلمة "كفى". إنه الخيار بالوقوف مع النظام الفرعوني بصفاته الألوهية أو ضده. إنه خيار الشعب أن يستمر مع ماضي الجريمة أو أن يشفى منها.
تحتاج سوريا اليوم أن نفكر فيها على نفس مبدأ التوازن البيئي الذي بدأ منه هذا المقال، وذلك بأن جميع المكونات جزء من توازننا المجتمعي. إن جمال سوريا يكمن في وجود هذا التنوع وهذه المكونات المختلفة الألوان التي تزينها. وهذا التوازن لا يمكن تحقيقه إلا من خلال دستور التعايش بيننا، دستور المواطنة لا العصبيات. ويبقى القول إن الدبور لم يختر أن يكون دبورًا، وكذلك العصفور لم يختر أن يكون عصفورًا، وكذلك عصبوي الولادة الذي لم يختر نسبته لعصبية معينة. لكننا نحن البشر لسنا كالدبابير ولسنا كالعصافير، فنحن قادرون على تغيير انتمائنا من عصبيتنا وغرائزنا وأيديولوجياتنا العصبوية إلى الوطن، وطن التعايش المختلف الألوان كما الطبيعة الأم وكما أراد الله لها أن تكون، لا وطن عصبية اللون الواحد. فتخيلوا عالمًا لا يحتوي إلا على الدبابير.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة