توم براك وهندسة النفوذ الأمريكي: استراتيجية واشنطن الموحدة من دمشق إلى بغداد


هذا الخبر بعنوان "من دمشق إلى بغداد.. توم براك وهندسة النفوذ الأمريكي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يثير تعيين توم براك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لكل من سوريا والعراق، بالإضافة إلى كونه سفيرًا للولايات المتحدة في تركيا، تساؤلات جوهرية حول الاستراتيجية الأمريكية. هل انتقلت واشنطن من إدارة أزمات ومسارات شبه منفصلة وعابرة للحدود، إلى إدارة مسرح جيوسياسي واحد ذي ملفات متشابكة، يمتد من شرق المتوسط إلى شمالي العراق؟
من الناحية الدبلوماسية، لا يُعد هذا التعيين اعتياديًا. فالإدارة الأمريكية، التي انسحبت عسكريًا من سوريا والعراق باستثناء قاعدة واحدة في إقليم كردستان العراق، تنظر إلى هذا القوس الجيوسياسي الممتد كمنظومة أمنية واقتصادية متكاملة، وترى ترابطًا بنيويًا بين عدة ملفات مشتركة في كل من سوريا والعراق.
تتشعب قراءات وأبعاد المنطق البنيوي لتعيين براك في هذه الكتلة الإقليمية. يكمن أحد الأبعاد الرئيسية في مواجهة نفوذ إيران. فعلى الرغم من كسر الجسر البري الواصل من إيران إلى لبنان بإسقاط نظام الأسد، لا يزال هناك هاجس من استغلال إيران لأي فراغ أو هشاشة أمنية-سياسية لإعادة بسط نفوذها وشبكات التهريب. وقد سبق أن أعلنت السلطة الانتقالية عن اعتراضها لشحنات أسلحة متوجهة إلى “حزب الله” في لبنان.
تتموضع سياسة الحوافز التي تتبعها واشنطن، بعد كسر هذا الجسر وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية عقب الحرب على إيران وتحكمها في مضيق هرمز، في البحث عن بدائل أخرى لممرات الطاقة تقع ضمن إطار نفوذها. من هذه البدائل تلك التي تعتمد على الموقع الجغرافي لسوريا، بما في ذلك ميناءا بانياس وطرطوس، لربط العراق والخليج، وتركيا والاتحاد الأوربي. يأتي ذلك وفقًا لوثيقة أعدها توم براك، بعد إعلانه “انبهاره” بقيادة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، خلال توقيع مذكرات تفاهم مع شركة أمريكية وقطرية للتنقيب عن الغاز والنفط بالمياه الإقليمية في سوريا، معتبرًا أن “القيادة السياسية ركيزة أساسية في مرحلة التعافي والاستقرار”.
تتضمن وثيقة براك أيضًا إعادة تأهيل القطاع النفطي من قبل شركات أمريكية وسعودية وقطرية وإماراتية، وإحياء خط كركوك-بانياس الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط. كما تشمل خط غاز قطر-تركيا الذي يربط بين الخليج وسوريا عبر الأردن، ومنها إلى تركيا وأوروبا، إضافة إلى خط غاز أذربيجان-كلّس وحلب، وأخيرًا خط الغاز العربي، من مصر ثم الأردن وسوريا إلى تركيا.
من خلال خطوط الطاقة البديلة هذه، يبرز الترابط الاقتصادي بين سوريا، والعراق الذي يمتلك ثروة نفطية هائلة لكنه مكبل بمنظومة فساد ضخمة مرتبطة بالنفوذ الإيراني، بينما تمثل تركيا بوابة العبور الطبيعية للطاقة نحو أوروبا.
لا شك أن المواجهة الأمريكية للنفوذ الإيراني في العراق هي الأصعب، لأنه نفوذ أيديولوجي-مؤسسي عميق. يكمن التناقض الكثيف في المشهد العراقي بأن كلًا من واشنطن وطهران تدعمان، وبحماس، رئيس الوزراء علي الزيدي. تضغط عليه واشنطن للمضي قدمًا في سحب السلاح من الفصائل الموالية لإيران، وحصره بيد الدولة، وحل أو دمج “الحشد الشعبي” داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية. في المقابل، حذر قائد “قوة القدس” في “الحرس الثوري”، اللواء إسماعيل قاآني، “الإطار التنسيقي” (أكبر كتلة في البرلمان موالية لإيران) من “تقديم تنازلات للولايات المتحدة في مسألة نزع سلاح الميليشيات مقابل الحصول على مناصب حكومية”.
الحكومة العراقية، التي اكتشفت مؤخرًا في صحراء النخيب قاعدتين إسرائيليتين سريتين بمحض المصادفة، شهدت مساهمة فصائل عراقية وقوات إيرانية في دعم إيران خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفتها. ويسعى الزيدي، الذي وصل إلى منصبه بدعم من “الإطار التنسيقي”، إلى فتح تحقيق في الهجمات التي طالت دولًا خليجية بالطائرات المسيّرة من أراضيه، من خلال تشكيل “لجنة تحقيق رفيعة”، وهو ما ينسجم مع السياسة العراقية الرسمية الرافضة لاستخدام أراضيها وأجوائها لشن هجمات على دول الجوار.
الملف المشترك والمتزامن الذي يتابعه براك في كل من سوريا والعراق هو نقل احتكار القوة من الفاعل شبه الدولاتي إلى الدولة المركزية. ففي سوريا، كانت المتابعة، ولا تزال، حثيثة لإتمام تنفيذ اتفاق “قسد” مع السلطة الانتقالية. أما في العراق، فتكمن المسألة في تعدد حاملي السلاح داخل الدولة وخارجها في آن واحد، بمعنى أن الميليشيات موجودة في البرلمان والاقتصاد والأمن. الرابط بين الملفين في هذا الشريط الحدودي هو رابط جغرافي أمني، قد يجعله ملفًا واحدًا بالنسبة لواشنطن، ففي المنطقة الواقعة شرقي سوريا وغربي العراق، التي كانت تمر عبرها الإمدادات الإيرانية وانتشرت فيها خلايا “داعش”، تعاني من هشاشة أمنية وسياسية.
بالطبع، لا يتوقف التدخل المباشر لبراك في سوريا على القضايا المذكورة أعلاه، بل يمتد للعديد من القضايا الجوهرية، كملف رفع العقوبات، والاستثمار، وهندسة اتفاق حول السويداء بمشاركة الأردن في 16 من أيلول 2025، بعد الجرائم الدامية التي حصلت عبر موجات عنف متكررة، ولقاءات تمت بين السلطة الانتقالية والاحتلال الإسرائيلي، وانضمام سوريا للتحالف ضد “داعش” وغيرها من الملفات.
يتسق نهج براك بمنطق “الصفقة”، أو ما يطلق عليه في إدارة العلاقات الدولية بـ”الدبلوماسية التعاقدية”. حيث تُعامل المشكلات السياسية والأمنية كصفقات قابلة للتفاوض، يُقايض فيها كل طرف مصالحه بمصالح الآخر للوصول إلى اتفاق يُرضي الأطراف في لحظتها الراهنة، دون أن تشترط بالضرورة بناء مؤسسات ضامنة، أو تسوية التناقضات البنيوية العميقة التي أفرزت الأزمة أصلًا. وهو نهج يُشابه نهج السلطة الانتقالية، التي تشيد بها الإدارة الأمريكية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة