تراجع أمريكي وتمسك إيراني: تحليل للأسباب العسكرية والميدانية خلف المواقف المتضاربة


هذا الخبر بعنوان "لماذا تراجعت واشنطن وتمسكت طهران بمواقفها؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحديث عن المفاوضات، مشيرًا إلى وجود محادثات عميقة مع الإيرانيين. وقد تراجع عن تهديده بشن هجوم عنيف في حال فشل المفاوضات، مستبدلاً إياه بإمكانية العودة إلى استئناف الضربات المحدودة. ويشير شبه إجماع بين المحللين العسكريين والسياسيين الأمريكيين إلى أن الولايات المتحدة لا تحقق أهدافها ولا تمتلك القدرة على حسم الموقف عسكريًا.
من جانبها، تشير المعطيات إلى أن إيران لم تكن لتتمسك بشروطها خلال المفاوضات، ولم تترك الاستفزازات الأمريكية دون رد، ولن تقبل بوقف مؤقت لإطلاق النار بل بوقف دائم مع ضمانات بعدم العودة للقتال، إلا إذا كانت واثقة من قدرتها على الرد والصمود. إن تراجع ترامب عن تهديداته وتمسك إيران بمواقفها لم يأتِ من فراغ، فالجميع يدرك أن الأمريكيين، لو كانوا قادرين على تحقيق أهدافهم الحربية، لما ترددوا لحظة، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير إيران والخليج ونصف العالم. وهذا التراجع تقف وراءه أسباب عسكرية وميدانية.
تكمن الإجابة، ليس في التحليل العسكري والسياسي فحسب، بل في التقارير العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تؤكد وجود خلل كبير في مخزون الدفاع الجوي الأمريكي ونقص في القدرة على التصدي للهجمات الإيرانية المحتملة على الكيان الصهيوني والقواعد والمواقع الأمريكية في الخليج. فقد أصبحت هذه المواقع مفتوحة بشكل شبه تام أمام الإيرانيين بعد تدمير معظم القواعد والرادارات ومقرات القيادة ومحطات الدفاع الجوي الأمريكية في الخليج والعراق والأردن. أما ما يتعلق بالكيان الصهيوني، وهو الأساس وراء قرار الحرب وحدودها، فإن هذه الجبهة تعاني من خلل خطير.
فقد تلقت قواعد صواريخ الباتريوت الموجودة في الأردن وفلسطين المحتلة ضربة قوية عندما تمكنت إيران من تدمير 134 صاروخًا منها، بقيمة مليارات الدولارات، كانت أمريكا قد جلبتها لتعزيز قواعدها، لكن إيران دمرتها وهي لا تزال في ميناء العقبة الأردني. ولا يقتصر الأمر على الباتريوت، فمنظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعتمد على ثلاث منظومات رئيسية: القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس، بالإضافة إلى المنظومات الأمريكية من الباتريوت وثاد. وتعتمد هذه المنظومات على شبكة الرادارات للإنذار المبكر، لكن هذه الشبكة تعرضت قواعدها في الأردن ودول الخليج لضربات قوية من إيران دمرتها بشكل شبه كامل. وقد أدى ذلك إلى قيام الولايات المتحدة بسحب معظم معدات هذه المنظومة والطائرات إلى الكيان، بل واضطرت لفتح المطارات المدنية، مثل مطار بن غوريون، واستخدامها للأغراض العسكرية لاستيعابها. وهذا يجعل أي خطأ في التقدير كارثة بالنسبة لأمريكا والكيان.
المنطق يشير إلى أن إيران، التي تمكنت من تدمير كل هذه القواعد والرادارات ومقرات القيادة والتحكم في الخليج والأردن، قادرة على الوصول إليها في أماكن تجميعها وتخزينها داخل الكيان. وهو ما حدث بالفعل، حيث تمكنت إيران من توجيه ضربات قوية دمرت الكثير من هذه المعدات، وهو ما نقلته صور الأقمار الصناعية وتكتمت عليه وسائل الإعلام العربية والغربية الموالية للأمريكيين والكيان. وهذا هو السبب الحقيقي وراء قرار إبقاء الكيان بعيدًا عن الاشتباك الأمريكي الإيراني في جولته الأخيرة، منذ انهيار قرار وقف القتال.
هذه الحالة جعلت زيارة نتنياهو لواشنطن من أصعب الزيارات، رغم الكلام الدبلوماسي الذي قاله عن لقاءاته مع ترامب ووصفها بالمهمة. فالوضع العسكري والميداني ليس جيدًا. ويحمل قسم من إدارة ترامب، ممثلاً بنائب الرئيس جي دي فانس، حكومة نتنياهو مسؤولية الفشل، وأن حكومة نتنياهو تدفع لاستمرار القتال رغم ذلك. كما أن الكونغرس الأمريكي أصبح أقل تأييدًا لإسرائيل، وهناك انقلاب في الرأي العام الأمريكي والنخب الأمريكية ضد الكيان. ويؤكد ذلك الرسالة التي وجهتها أكثر من 400 شخصية من النخب السياسية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية إلى الرئيس ترامب، قبيل وصول نتنياهو إلى واشنطن، تطالبه بعدم الانجرار وراء مغامرات نتنياهو لاستئناف القتال.
رغم صعوبة الأوضاع، ليس أمام نتنياهو سوى طريق واحد وهو الاستمرار في القتال، لأن وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سيعني خسارته الانتخابات والذهاب إلى السجن. وهناك نقطة مهمة لا يتحدث عنها الإعلام، لأنها لا ترتبط بالنتائج المباشرة للأحداث، وهي أن ترامب يعتبر حكومة نتنياهو من تيار الحرب والحل العسكري الذي سقط في الولايات المتحدة الأمريكية، فيما تياره يعمل على التهدئة والمنافسة الاقتصادية، وهو ما يعبر عنه في كثير من تصريحاته. وقد انجر إلى الحرب مع إيران، ليس اقتناعًا بها، بل بسبب نتنياهو والمؤيدين له في الإدارة الأمريكية والكونغرس، وبسبب التقارير الإسرائيلية (وبعض الأمريكية) التي أعطته توقعات بمضمون نتائج الحرب بشكل سريع. لكن حسابات الميدان الإسرائيلي اختلفت كثيرًا عن حسابات الميدان الإيراني، وهذا ما يجعل ترامب يفضل سقوط حكومة نتنياهو ومجيء حكومة أقل تطرفًا تتوافق مع رؤيته.
تحليل الحروب والصراعات لا يخضع للعواطف والأمنيات، وقراءة الوضع لا تجوز أن تتم فقط من خلال الصورة الظاهرة التي قد تكون خادعة، وليس فقط من خلال حساب الخسائر العسكرية، بل من خلال المسارات التي تأخذها هذه الصراعات ومعرفة اتجاهاتها ونتائجها الجيوسياسية قبل العسكرية، وإلى أين يمكن أن تؤدي. الصراع مستمر، والوضع لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة