النقاب ومتطلبات العصر: جدلية الهوية والتكيف في المجتمعات الحديثة


هذا الخبر بعنوان "العيش خارج الزمن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم غزوان قرنفل
لا تكمن المشكلة في الأفكار المحافظة بحد ذاتها، ولا في حق الفرد في اختيار أسلوب حياته ولباسه ما دام لا يخرج عن المألوف. بل تبدأ الأزمة الحقيقية عندما يتحول هذا الاختيار إلى حالة من الانفصال عن الواقع، وعجز واضح عن التكيف مع متطلبات الزمن الذي نعيش فيه.
تروي إحدى السيدات السوريات المنقبات موقفاً واجهته عندما ذهبت إلى شركة حوالات مالية لاستلام مبلغ مرسل إليها. بعد تقديم بطاقتها الشخصية للموظفة المختصة، "فوجئت" بإصرار الموظفة على رؤية وجهها للتحقق من تطابق الصورة الموجودة على الهوية مع صاحبة البطاقة. وبعد جدال واحتجاجات، اضطرت السيدة في النهاية إلى كشف وجهها للموظفة لتتمكن من استلام حوالتها.
هذه الحادثة ليست استثناءً، بل هي تتكرر وستستمر يومياً في المطارات والمصارف والدوائر الحكومية والمعابر الحدودية والمؤسسات الخاصة. فما دام هناك من يصررن على إخفاء وجوههن والتواري خلف قطعة قماش سوداء تحجب حق الآخرين في التثبت من هوية الشخص الذي يتعاملون معه، ستظل هذه المواقف قائمة. إن فكرة التحقق من الهوية ليست مجرد نزوة بيروقراطية، بل هي ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن وحماية الحقوق ومنع التزوير أو انتحال الصفة. لذلك، يبدو غريباً حقاً أن تتعامل بعض النساء مع هذا الطلب البديهي وكأنه اعتداء على معتقداتهن أو انتهاك لحرياتهن الشخصية.
لعل أبرز الأمثلة على هذا الجدل المتكرر حول النقاب، وما يرافقه من صدامات يومية بين بعض المنقبات والقوانين والإجراءات المدنية التي تفرض الكشف عن الوجه للتحقق من الهوية الشخصية، هو ما نشهده في معظم الدول الأوروبية. هناك، مُنعت نساء مسلمات من دخول أماكن عامة، وتعرضن لغرامات مالية بسبب مخالفتهن لقوانين تحظر تغطية الوجه في تلك الأماكن. لكن الملفت هو إصرار هؤلاء المنقبات على تجاهل وجود هذه القوانين أصلاً، وكأن القناعة الشخصية تعفي صاحبها من الالتزام بالقواعد التي تنظم الحياة العامة في المجتمع الذي اختار العيش فيه.
تكشف هذه الوقائع عن أزمة تفكير تتجاوز مسألة اللباس بحد ذاتها. فكثير من النساء اللواتي يتشبثن بالنقاب لم يطرحن، وربما لا يجرؤن على طرح سؤال بسيط على أنفسهن: هل كانت مسألة تغطية الوجه ممارسة دينية ثابتة ومفروضة عبر التاريخ الإسلامي كله؟ وهل كانت خديجة أو عائشة أو أي من زوجات الرسول (ص) أو حتى من سائر نساء الجيل الأول من المسلمين يعشن وفق هذا النموذج الذي يُقدم اليوم باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الدين؟
الواقع أن النقاب بالشكل الذي نعرفه اليوم لم يكن النموذج السائد في مختلف المجتمعات الإسلامية عبر القرون. ولم يتحول في أي مرحلة تاريخية إلى زي موحد تلتزم به جميع النساء المسلمات. بل إن أنماط اللباس كانت تتغير باختلاف الأزمنة والأمكنة والثقافات، وفي كثير من تلك الأزمنة والأمكنة ظل وجه المرأة مكشوفاً في بيئات إسلامية عديدة، إن لم نقل كلها، دون أن يُعتبر ذلك خروجاً عن الدين.
لقد أسهمت قراءات وآراء "فقهية" متشددة ومتأخرة للنصوص الدينية في ترسيخ فكرة أن تغطية الوجه واجب شرعي مطلق. ثم انتقلت هذه الفكرة عبر التبشير السلفي حتى أصبحت لدى بعض الفئات جزءاً من الهوية الشخصية والدينية. بعض النساء تبنَّين هذا الخيار عن اقتناع، بينما فُرض على أخريات بفعل الضغوط الاجتماعية أو الأسرية، لكن النتيجة واحدة: نشوء قناعة شبه راسخة بأن النقاب يمثل حقيقة دينية نهائية لا يجوز نقاشها أو مراجعتها.
غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في صحة هذا الرأي أو خطئه، ولا يدخل المقال هنا في جدال فقهي بهذا الشأن. إنما المشكلة الحقيقية تكمن في عجز تلك الفئات عن التعامل مع الواقع المتغير. فالحياة الحديثة تقوم على منظومات إدارية وقانونية وأمنية تتطلب التحقق المباشر من هوية الأشخاص، والوجه هو العنوان البشري الأساسي لذلك. من غير المنطقي أن يطالب الفرد المجتمع كله بإعادة تصميم مؤسساته وقوانينه لكي تتوافق مع تفسير فقهي خاص يتبناه هو أو جماعته.
إن التكيف مع العصر لا يعني التخلي عن الدين، خصوصاً أن هذا النمط من الحجاب ليس جزءاً من بنية الدين الأساسية، بل هو مجرد رأي فقهي بشري غير ملزم لا أكثر. كما أن احترام القوانين لا يعني التفريط بالمعتقدات. فالملايين من النساء المسلمات حول العالم يجمعن بين التزامهن الديني الكامل وبين القدرة على الانخراط في الحياة العامة واحترام الأنظمة السائدة، دون أن يشعرن بأي تناقض بين الأمرين.
العيش خارج الزمن يعني تماماً الاعتقاد بأن العالم يجب أن يتوقف عند لحظة تاريخية معينة، وأن كل ما استجد بعد ذلك مجرد انحراف ينبغي مقاومته. وهو مؤشر على العجز عن إدراك أن المجتمعات تتغير، وأن البشر يطورون باستمرار أدوات جديدة لتنظيم حياتهم وحماية أمنهم وحقوقهم. لذلك، فإن قضية النقاب ليست مجرد نقاش حول قطعة قماش تغطي الوجه، بل هي في جوهرها نقاش حول العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين المعتقد والواقع، وبين الحق في الاختيار والواجب في التكيف مع شروط العيش المشترك. وحين يصبح التمسك بشكل معين من اللباس سبباً دائماً للصدام مع المجتمع والقانون ومؤسسات الدولة، فإن السؤال الحقيقي لا يعود متعلقاً باللباس نفسه، بل بمدى استعداد صاحبه للعيش في عصره وزمنه بدلاً من العيش خارج الزمن بكلّيته.
مع الأسف، كل ما سبق يمكن تطبيقه أيضاً على من يضع خماراً من الرجال فوق عقله، يحجب عنه فرصة التواصل مع العصر والعيش داخل الزمن.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات