عام على النزوح في السويداء: مئات العائلات المهجرة تواجه تراجعًا حادًا في الدعم الإنساني وتدهورًا معيشيًا


هذا الخبر بعنوان "السويداء.. نازحون يشتكون تراجع الدعم والإغاثة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لموجة النزوح التي شهدتها محافظة السويداء إثر الاشتباكات والهجمات، لا تزال مئات العائلات المهجرة تقيم في مراكز الإيواء المنتشرة في المدينة وريفها. يأتي ذلك في ظل تراجع ملحوظ في حجم المساعدات الإنسانية وغياب أي دعم منتظم يلبي احتياجاتها الأساسية.
وفقًا لمسؤول في القطاع الإغاثي بالسويداء، تحدث لـ "عنب بلدي"، وصل عدد مراكز الإيواء في ذروة النزوح إلى 91 مركزًا، استضافت 1733 عائلة مهجرة. وقد انخفض هذا العدد حاليًا إلى 75 مركزًا تضم 1212 عائلة. وأوضح المسؤول، الذي فضلت "عنب بلدي" عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن العائلات التي غادرت المراكز لم تتمكن من العودة إلى قراها ومنازلها، بل انتقلت إلى مساكن بديلة خارج مراكز الإيواء، مما يعني استمرارها في ظروف التهجير ذاتها ولكن بوسائل مختلفة.
وأشار المسؤول إلى أن مراكز الإيواء لا تتلقى حاليًا أي دعم من الجهات الإنسانية أو المنظمات، لافتًا إلى أن آخر تدخل مسجل كان من منظمة الهلال الأحمر في كانون الثاني الماضي. ومع توقف المساعدات، باتت إدارات المراكز والعائلات المقيمة فيها تواجه صعوبات متزايدة في تأمين مختلف الاحتياجات المعيشية والخدمية، مما يترك معظم الاحتياجات الأساسية دون تغطية كافية.
تعكس شهادات المهجرين واقعًا يوميًا قاسيًا داخل مراكز الإيواء، حيث تتداخل تحديات السكن والمعيشة والصحة والتعليم مع حالة من الانتظار الطويل لعودة لا تزال مؤجلة بالنسبة للكثيرين.
تشارك "أم مدين"، المهجرة من إحدى قرى الريف الغربي لمحافظة السويداء، تفاصيل إقامتها في أحد مراكز الاستضافة داخل مدينة السويداء. تروي "أم مدين" لـ "عنب بلدي" أنها خسرت جميع ممتلكاتها في قريتها الواقعة على الحدود الإدارية مع ريف درعا، وأنها غادرت منزلها خلال المواجهات في شهر تموز 2025 دون أن تتمكن عائلتها من اصطحاب أي من مدخراتها. وبعد تنقلها بين عدد من القرى الآمنة، استقرت وعائلتها المكونة من زوجها وابنتها البالغة 15 عامًا وشقيقة زوجها في مدرسة "منير علم الدين"، التي تحولت إلى مركز استضافة يضم حاليًا 23 عائلة مهجرة من قرى مختلفة.
وأوضحت "أم مدين" أن منزلها تعرض للحرق، كما خسرت العائلة أراضيها المزروعة بأشجار الزيتون واللوز، والمواشي التي كانت تشكل موردًا أساسيًا لها قبل التهجير. واليوم، تعتمد العائلة بشكل أساسي على مردود الأعمال الحرة لزوجها، في غياب أي مصدر دخل ثابت. وأفادت بأن القائمين على المركز كانوا في البداية يؤمّنون الوجبات الغذائية للأهالي، لكن هذا الدعم تراجع تدريجيًا من عدة وجبات إلى وجبة واحدة يوميًا، قبل أن يتوقف بشكل كامل. وتعزو ذلك إلى انخفاض حجم التبرعات الغذائية والمادية التي كانت تصل إلى المركز، وتراجع عدد الجهات الداعمة و"الأيادي البيضاء" بعد مرور أكثر من عشرة أشهر على الأحداث.
مع تراجع المساعدات، أصبح تأمين الغاز ومستلزمات الطبخ والاحتياجات اليومية عبئًا على عاتق الأهالي، رغم محدودية فرص العمل وغياب الدعم المادي الكافي، مما دفع الأغلبية إلى تقليص إنفاقهم حتى على الغذاء. وفي الجانب الصحي، ذكرت "أم مدين" أن بعض الجمعيات تؤمّن جزءًا من الأدوية المطلوبة، لكن ذلك لا يغطي جميع الاحتياجات، مما يضطر العديد من المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة، إلى شراء أدويتهم على نفقتهم الخاصة.
أما الملابس، فيعتمد سكان المركز إلى حد كبير على التبرعات التي يقدمها أفراد من المجتمع المحلي. وقالت متحدثة باسم عدد من العائلات المقيمة في المركز إن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في مستلزمات الأطفال وكبار السن، ولا سيما الحليب والمكملات الغذائية. وأضافت أن الأطفال حُرموا من كثير من التفاصيل البسيطة التي اعتادوها سابقًا، كشراء "البسكويت" والألعاب، وهذا ينطبق على جميع مراكز الإيواء في المحافظة، بحسب ما رصدته "عنب بلدي".
وعن تفاصيل الحياة اليومية داخل المركز، قالت "أم مدين" إن العائلات تفتقر إلى الكثير من التجهيزات المنزلية الأساسية، إذ لا وجود لغسالة أو براد، وتلجأ العائلات لغسل الملابس يدويًا وتدبير شؤونها بوسائل محدودة داخل غرفة صفية تحولت إلى مكان إقامة دائم. وتستذكر الشتاء "القاسي" الذي مر على العائلات في المدرسة، موضحة أن غرف الصفوف واسعة وتضم نوافذ كبيرة، وبعضها كان مكسورًا، مما جعل البرد يتسلل إليها بسهولة. ورغم تأمين كميات من المازوت للتدفئة من جهات داعمة، فإنها لم تكن كافية، مما دفع الأهالي إلى حرق الكرتون والملابس القديمة وكل ما أمكن استخدامه للتدفئة.
تتشابه التحديات في مراكز الاستضافة الأخرى. ففي مركز "قصر العدل" بمدينة السويداء، تحدثت "سامية"، المهجرة من الريف الشمالي للمحافظة، عن معاناة مستمرة تفاقمت مع تراجع المساعدات الإنسانية خلال الأشهر الماضية. وقالت "سامية" إن المركز كان يتلقى في بداية النزوح دعمًا من منظمات إنسانية، بينها الهلال الأحمر السوري، إضافة إلى جمعيات خيرية ومبادرات من المجتمع المحلي، إلا أن هذا الدعم تقلص تدريجيًا حتى بات شبه معدوم، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية التي كانت تصل إلى العائلات المقيمة فيه.
وتساءلت "سامية" كيف لـ 700 عائلة مقيمة في المركز أن تؤمّن احتياجاتها الأساسية في ظل تأخر الرواتب وقلة فرص العمل، خاصة بعد خسارة بعض الأسر معيلها خلال أحداث تموز. ووصفت الواقع المعيشي داخل المركز بأنه "صعب جدًا"، ويزداد تدهورًا مع مرور الوقت، مضيفة بلهجتها العامية: "إذا ما اشتغل زوجي ما منقدر ناكل". وبالنسبة للواقع الصحي، قالت إن نقطة طبية تزور المركز بشكل دوري لتقديم المعاينات، إلا أن المرضى لا يزالون مضطرين لتحمل تكاليف العلاج بأنفسهم. ولفتت إلى أن والدة زوجها تحتاج شهريًا إلى خمسة أصناف دوائية، تشكل عبئًا كبيرًا على زوجها.
رغم اختلاف ظروف الإقامة بين مراكز الاستضافة، تتشابه مواقف العديد من العائلات المهجرة حيال العودة إلى قراها. أكدت "أم مدين" أن كثيرًا من الأسر لا ترى إمكانية للعودة في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن منازل عديدة تعرضت للحرق أو التخريب، وأن الأهالي يشترطون توفر بيئة آمنة ومستقرة قبل اتخاذ قرار العودة.
من جهتها، ترى "سامية" أن "النزوح لا ينتهي بمجرد إعلان الحكومة عن ترميم بعض المنازل"، معتبرة أن العائلات لا تزال بحاجة إلى ضمانات حقيقية للأمن والاستقرار قبل العودة إلى قراها المنكوبة. "أم مدين" و"سامية" ليستا سوى صوتين من آلاف المهجرين الذين يفتقرون لأبسط سبل العيش، إلا أنهما تختصران حال مهجري السويداء داخل مراكز الاستضافة التي تعتبر من أبرز التحديات الإنسانية في السويداء، في حين تستمر العائلات بالمطالبة بتدخل عاجل لتأمين احتياجاتهم الأساسية وتحسين ظروفهم، منتظرين العودة لحياة أكثر استقرارًا وكرامة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي