دمشق بين فخ لبنان وألغام الشرق: لماذا تفرض الأولويات الداخلية حيادًا استراتيجيًا؟


هذا الخبر بعنوان "فخ لبنان وألغام الشرق.. لماذا لا تستطيع دمشق دخول المستنقع اللبناني؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يضع الكاتب خالد المطلق المواجهة العسكرية المحتدمة بين إسرائيل و"حزب الله" الساحة السورية أمام اختبار جيوسياسي بالغ التعقيد، تتجاوز أبعاده مجرد رصد التداعيات الأمنية على الحدود. ومع تزايد التحليلات التي تبحث في إمكانية انخراط دمشق، بقيادة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، في ترتيبات عسكرية أو ميدانية تهدف إلى تحجيم الحزب داخل لبنان، يبرز تساؤل جوهري حول مدى واقعية هذا السيناريو وحدود المناورة المتاحة أمام دولة تحاول جاهدة الخروج من أتون صراع داخلي منهك استمر قرابة العقد ونصف العقد.
توجد قراءة نظرية ترى في هذا التوقيت فرصة سانحة أمام الإدارة الانتقالية في دمشق لتقديم أوراق اعتمادها دوليًا وإقليميًا. تستند هذه الرؤية إلى فرضية مفادها أن اتخاذ موقف حاسم ضد "حزب الله" أو المساهمة في ضبط حدوده البرية سيمثل دليلًا ملموسًا على رغبة العهد الجديد في فك الارتباط الاستراتيجي مع طهران وتجفيف خطوط إمدادها العسكري. ووفقًا لهذا الطرح، فإن تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي قد يمنح دمشق هامشًا غير مسبوق لاستعادة استقلاليتها السياسية وبناء شراكات جديدة مع عواصم عربية ودولية تدفع باتجاه تقليص أدوار الفاعلين من غير الدول.
إلا أن إسقاط هذه الفرضيات على تعقيدات الواقع السوري يكشف عن كوابح داخلية بنيوية صلبة. فالرئيس أحمد الشرع يدرك أن رصيد حكومته الانتقالية ومصدر شرعيتها يرتبطان حصرًا بالملفات الداخلية الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها صياغة وفاق وطني وتوحيد المؤسسات السيادية والحفاظ على السلم الأهلي الهش. ومن هنا، يغدو خيار "النأي بالنفس" الذي تتمسك به دمشق، وإن كان ظاهريًا، ضرورة استراتيجية تفرضها تطلعات الشارع السوري نفسه. فالبلاد التي تواجه انهيارًا في بنيتها التحتية وأزمة معيشية خانقة تبدو في غنى عن الدخول في مغامرة عسكرية خارجية غير مأمونة العواقب، حيث يقع الانشغال بتأمين الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار وتهيئة ظروف عودة اللاجئين في صدارة الأولويات الوطنية، وهي ملفات يستحيل إنجازها دون استقرار مستدام يتيح جذب الاستثمارات الخارجية.
من الناحية العملياتية والعسكرية، يفتقر خيار التدخل البري السوري في لبنان إلى مقومات النجاح. فالجيوش النظامية، ولا سيما تلك التي تمر بمراحل تنظيم وترميم عسكري كالجيش السوري الحالي، تواجه معضلات حقيقية عند مواجهة تنظيمات متمرسة على تكتيكات حرب العصابات والقتال في بيئات جغرافية وعرة ومجهزة كجنوبي لبنان والبقاع. وأي محاولة للتقدم أو الضغط البري ستتحول سريعًا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد كفيلة بنقل التوتر إلى العمق السوري بدلًا من حسمه في الجوار. ولعل الحذر الذي تبديه إسرائيل نفسها تجاه التوغل البري الواسع رغم تفوقها الجوي والتكنولوجي المطلق يؤكد أن حسابات الميدان اللبناني نادرًا ما تأتي مطابقة للتقديرات الأولية، وأن تكلفة التورط هناك تتجاوز غالبًا أي عائد سياسي مفترض.
وعلى صعيد آخر، لا يمكن عزل حسابات دمشق عن التهديدات المحتملة القادمة من حدودها الشرقية. ففي حال تبني الحكومة الانتقالية توجهًا صداميًا مباشرًا مع حلفاء طهران، فإن الرد الإيراني قد لا يتأخر مستغلًا الحدود السورية-العراقية كخاصرة رخوة، حيث تمتلك الفصائل والميليشيات الموالية لإيران في العراق القدرة على فتح جبهة استنزاف موازية في مناطق دير الزور والبادية السورية بهدف تشتيت جهود الجيش السوري وتخفيف الضغط العسكري عن لبنان. ورغم أن هذا الاحتمال تضبطه حسابات إقليمية معقدة، تشمل موقف الحكومة العراقية الرسمية ومدى فاعلية الردع الأمريكي وحرص طهران على عدم خسارة نفوذها بالكامل، فإن مجرد بقائه كمهدد أمني جدي يدفع صانع القرار في دمشق لتجنب أي خطوة قد تعيد تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة.
بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر رجحانًا في المدى المنظور هو استمرار المساعي الدولية والحياد السوري الحذر لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. فالتكلفة الاستراتيجية لتوسيع رقعة النزاع ليمتد من بغداد إلى بيروت ستكون باهظة على الجميع لِما تشكله من تهديد مباشر لأمن الطاقة والممرات المائية الحيوية في الشرق الأوسط. في المحصلة، لا ترتبط المعضلة السورية بمدى القدرة على خوض الصراعات، بل بمدى مواءمة هذه الصراعات مع مصلحة الدولة العليا ومستقبل تعافيها. وتؤكد شواهد الحاضر أن أولويات دمشق تتجه نحو التحصين الداخلي وبناء مؤسسات الدولة كشرط موضوعي لأي دور خارجي مستقبلي، وفي إقليم اعتاد المفاجآت، يظل الاستثمار في الاستقرار الداخلي والابتعاد عن محاور الحروب المفتوحة هو الخيار الأكثر حكمة، لأن السلام المستدام يحقق للدول والشعوب من المنعة ما تعجز أعتى الآلات العسكرية عن تحقيقه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة