خداع الجماهير: كيف يستغل المستبدون الدين والقومية لتضليل الشعوب؟


هذا الخبر بعنوان "خداع الجماهير" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعبر الكاتب خطيب بدلة عن حلم يراوده في هذا العمر، وهو زوال فكرة الجماهير وتجمعاتها الصاخبة في الساحات العامة التي تهتف وتطالب. كما يتمنى ألا يسمع خطابات الحكام الدكتاتوريين المستبدين والإرهابيين الذين يزعمون أنهم يفنون أعمارهم في سبيل إسعاد الجماهير العظيمة. فالحاكم، كما يرى الكاتب، وكثير من المراقبين وحتى قسم كبير من الجماهير نفسها، كذاب وأفاك ونصّاب يتاجر بمآسي شعبه ويسرقهم ويركب على أكتافهم.
وفي سياق متصل، يستشهد الكاتب بعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، الذي يذكر في كتابه "سيكولوجية الجماهير" أن من يستطيع زرع الوهم في الجماهير يصبح سيدًا لهم، بينما من يحاول إزالة هذه الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم. كما يتطرق إلى الشاعر المصري الكبير بيرم التونسي الذي تحدث عن سهولة خداع الجماهير من قبل التجار والنصابين، قائلًا: "من المستحيل أن تخدع أي طفل صغير، وتلف عقله وتعطيه القليل بكثير، لكن بأهون طريقة تخدع الجماهير، لو كنت أغبى غبي تجري وراك وتسير".
وعلى الرغم من منطقية كلام بيرم التونسي ظاهريًا، إلا أنه يثير تساؤلًا مهمًا حول طبيعة الأفكار التي يمكن أن تخدع بها الجماهير. يرى الكاتب أن بإمكان أي شخص خداع الجماهير إذا أتاها من مدخلين رئيسيين: الدين والقومية. فهذان المدخلان يؤثران بقوة في عامة الناس لأنهما يقتربان من الغريزة ويلائمان العقول الكسولة التي تتلقى الأفكار "على الجاهز"، وترفض الأفكار التحررية الممتازة التي تتطلب تشغيل عقولهم التي اعتادوا تركها خارج الخدمة.
وهنا، نصل إلى حقيقة مفادها أن من يتقدم لمخاطبة الجماهير تقع عليه مسؤولية أخلاقية كبيرة. من خلال هذه المسؤولية يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان الجيد الصادق المحترم الذي يريد لشعبه الخير والخلاص والتقدم، وبين الإنسان الخبيث الانتهازي الذي يضحي بالجماهير نفسها في سبيل مصالحه الشخصية. وحتى لو رأى هذه الجماهير تسلك الطريق الخاطئ، فإنه يطبطب عليها ويوحي لها أنها على صواب، وما إن تطمئن إليه حتى يبدأ باستغلالها، وهذا هو جوهر خداع الجماهير.
ويقدم الكاتب مثالًا على أكبر خديعة حدثت في سنوات الحرب الأهلية السورية، وهي الطائفية. فبالتأمل في حقبة حافظ الأسد ووريثه، يتبين أنه كان شديد الحرص على إرضاء مختلف الطوائف السورية، وخاصة الطائفة السنية، من خلال تقديم فكرة الولاء لرأس النظام على فكرة الطائفة. كانت المناهج الدينية المعتمدة في المدارس والإذاعة والتلفزيون والاحتفالات الدينية، مثل رأس السنة الهجرية ورمضان والمولد النبوي والنصف من شعبان، تقدم على نهج أهل السنة. وكان الرئيس يحضر هذه الاحتفالات ويصلي وراء الإمام السني. وعلى مدى 54 عامًا، لم يعرف السوريون، عبر الإعلام، شيئًا عن طبيعة المذاهب الدينية الأخرى، لا العلوية ولا غيرها. كما كانت مناصب كبيرة في الدولة، وأهمها رئاسة الوزراء، تخصص لأهل السنة، وكان هناك ضباط سنة كبار في الجيش والمخابرات.
ومع ذلك، استطاعت السردية الطائفية أن تخدع قسمًا كبيرًا من الجماهير، وهذا الخداع كان ضارًا بالجماهير (السنية) نفسها، لأنه منعها من قراءة المشهد السوري بشكل صحيح، وجعلها تخوض معارك غير وطنية أدت إلى تشكيل أحقاد ومصائب ستدفع ثمنها، الآن وفي المستقبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة