فوضى سعر الصرف في سوريا: دلالات التذبذب اللحظي وتأثيره على الاقتصاد والليرة


هذا الخبر بعنوان "ما دلالات التذبذب اللحظي لسعر الصرف في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد سوق الصرف في سوريا تقلبات متسارعة ومتكررة في سعر الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي خلال اليوم الواحد، بالتزامن مع إصدار عدة نشرات أو تسعيرات في السوق السوداء. هذا الوضع يعكس اضطرابًا عميقًا في آليات التسعير، ويؤثر بشكل مباشر على حركة البيع والشراء في الأسواق.
ففي الأسبوع الأخير، لوحظ افتتاح السوق يوميًا بنشرة صباحية، تتبعها نشرة أو أكثر حتى نهاية اليوم. على سبيل المثال، صدرت خمس نشرات للصرف يوم الجمعة 12 من حزيران، تراوحت فيها الأسعار بين 14200 و14600 ليرة للدولار. وخلال اليومين الأخيرين، يفتتح السوق بنشرة ويغلق بأخرى مختلفة، حيث يتراوح السعر بين 14270 و14400 ليرة.
لا يقتصر تأثير هذا التذبذب على سوق العملات فحسب، بل يمتد ليشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، من حركة التجارة والاستيراد وصولًا إلى أسعار السلع والمنتجات، مما يعيق قدرة التجار والمستهلكين على اتخاذ قرارات مالية مستقرة. يحاول اقتصاديون تفسير هذه الظاهرة من خلال عوامل نقدية واقتصادية مرتبطة بالسيولة، والثقة بالسوق، وآليات عمل سوق الصرف، بالإضافة إلى الظروف العامة التي تحكم النشاط الاقتصادي.
وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي في دمشق وعدد من المحافظات مؤخرًا إلى 14,700 ليرة سورية، بعد أن كان قد بلغ نحو 14,000 ليرة مطلع حزيران الحالي، ما يشير إلى تراجع جديد في قيمة الليرة السورية. يأتي هذا الانخفاض بينما يثبت مصرف سوريا المركزي نشرته الرسمية لسعر الصرف عند مستوى 11,250 ليرة شراء و11,350 ليرة مبيع منذ 26 من نيسان الماضي، ما يعادل 112.5 و113.5 ليرة سورية جديدة. وبذلك، تبلغ الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمي نحو 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي أكثر من 25% تقريبًا.
لا يمثل تغير سعر الصرف خلال اليوم الواحد مجرد حركة طبيعية في سوق العملات. فتكرار التغيرات وظهور أكثر من تسعيرة يعكسان غياب مرجعية واضحة لتحديد قيمة العملة في السوق السوداء. يشير اقتصاديون إلى أن عدم استقرار سعر الصرف يدفع التجار والأفراد إلى اعتماد الدولار كمرجع للتسعير، مما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي تغير أو خبر جديد.
في هذا السياق، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” والخبير الاقتصادي، أن الحديث عن سعر صرف واحد لليرة السورية مقابل الدولار لم يعد يحمل معنى اقتصاديًا واضحًا في ظل الواقع الحالي.
وأوضح محمد لعنب بلدي أن ما يحدث يمثل تحولًا في طبيعة سوق الصرف، من سوق يسوده استقرار نسبي إلى سوق تشهد “فوضى التسعير اللحظي”. وأشار إلى أن تعدد النشرات غير الرسمية للأسعار يدل على:
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق أن هذا التذبذب هو انعكاس لحركة النشاط الاقتصادي، موضحًا أن الأسواق تشهد تغيرًا في مستويات الطلب والقدرة الشرائية. وأشار الحلاق إلى أن وجود السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة وجود حركة بيع مستقرة، إذ إن توفر السيولة لدى المواطنين يتغير من فترة إلى أخرى، ما ينعكس على حجم الطلب.
وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، في دمشق وعدد من المحافظات، اليوم الثلاثاء 16 من حزيران، إلى 14,500 للشراء و14,560 للمبيع، بعد أن بلغ نحو 14,000 ليرة مطلع حزيران الحالي، ما يعكس تراجعًا جديدًا في قيمة الليرة السورية. ويأتي هذا الانخفاض في قيمة الليرة، بينما يثبت مصرف سوريا المركزي، نشرته الرسمية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، منذ 26 من نيسان الماضي، عند مستوى 11,250 ليرة شراء، و11,350 ليرة مبيع، ما يعادل 112.5 و113.5 ليرة سورية جديدة. وبذلك تبلغ الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمي نحو 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي أكثر من 25% تقريبًا.
يرتبط سعر العملة المحلية بمجموعة عوامل نقدية واقتصادية وسياسية، ولا يتحرك بمعزل عن حجم السيولة المتداولة، وحركة التجارة، ومستوى الثقة في السوق. ويؤدي غياب الاستقرار في هذه العوامل إلى زيادة حساسية سعر الصرف تجاه الأخبار والتغيرات المفاجئة، ما يجعل حركة الدولار أكثر سرعة مقارنة بالمتغيرات الاقتصادية الفعلية.
ويعدد الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة أسباب يرى أنها تقف خلف التذبذب، وهي:
أما الخبير الاقتصادي محمد الحلاق فيوضح أن حركة سعر الصرف ترتبط أيضًا بمستوى السيولة في السوق، مشيرًا إلى أن زيادة كمية الليرة السورية المتداولة ترفع الطلب على الدولار. وأضاف أن ملف الواردات يشكل عاملًا إضافيًا، إذ إن تسديد الرسوم المتعلقة بتخليص المواد المستوردة بالدولار يدفع التجار إلى تأمين العملة الأجنبية من السوق.
لا تتوقف آثار تغير سعر الصرف عند حدود سوق العملات، بل تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بشكل عام، إذ تؤثر في قرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة، كما تنعكس بشكل مباشر على المستهلك. وفي الأسواق، يؤدي عدم وضوح سعر الصرف إلى صعوبة تحديد تكاليف السلع، خصوصًا تلك المرتبطة بالاستيراد أو المواد الأولية المستوردة.
وقال الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد، إن استمرار التذبذب يضر ببيئة الأعمال، لأنه يجعل من الصعب على المستثمرين والتجار وضع خطط واضحة حتى لفترات قصيرة. وأضاف أن حالة عدم اليقين تدفع جزءًا من الأموال نحو المضاربة بدلًا من الاستثمار والإنتاج، ما يضعف القطاعات الصناعية والزراعية. وأشار إلى أن المنتجين يواجهون صعوبة في تحديد تكاليفهم وتسعير منتجاتهم، بينما قد يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار استنادًا إلى توقعات بارتفاع سعر الصرف. وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور ما وصفه بـ”السعر المتغير”، بحيث تختلف أسعار السلعة نفسها خلال اليوم الواحد، أو يمتنع بعض التجار عن البيع بانتظار وضوح اتجاه السوق.
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق أن تأثير سعر الصرف على الأسعار لا يكون منفردًا، بل يتداخل مع عوامل أخرى مرتبطة بالسلعة نفسها. وأوضح أن الأسعار تتأثر بجودة المنتج، وتوفر المادة، ودرجة المنافسة، ومكان البيع، إضافة إلى تكاليف النقل والمحروقات. وبيّن أن ارتفاع تكاليف الإنتاج في بلد المنشأ أو ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة سعر السلعة، إضافة إلى أثر سعر الصرف، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار. وأشار إلى أن تحسن حركة التجارة العالمية أو انخفاض بعض التكاليف قد يساعد في تخفيف ارتفاع الأسعار عند توفر السلع.
يرى اقتصاديون أن معالجة مشكلة تذبذب سعر الليرة لا ترتبط فقط بضبط حركة السوق اليومية، بل تحتاج إلى إجراءات أوسع تعيد بناء الثقة وتوفر بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا. وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن الحل يحتاج إلى إصلاحات نقدية ومالية وهيكلية، تبدأ بإعادة تنظيم سوق الصرف وإنشاء آلية واضحة وشفافة تحدد سعرًا مرجعيًا للعملات الأجنبية. واقترح تعزيز دور القطاع المصرفي وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية غير المنظمة، إضافة إلى معالجة أسباب التضخم وضبط السياسة النقدية. كما شدد على أهمية استقلالية السياسة النقدية وإصلاح البيئة القانونية والاقتصادية بما يساعد على استعادة الثقة وجذب الاستثمار.
عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”: الحل يحتاج إلى إصلاحات نقدية ومالية وهيكلية، تبدأ بإعادة تنظيم سوق الصرف وإنشاء آلية واضحة وشفافة تحدد سعرًا مرجعيًا للعملات الأجنبية، وتعزيز دور القطاع المصرفي وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية غير المنظمة، ومعالجة أسباب التضخم وضبط السياسة النقدية، وأهمية استقلالية السياسة النقدية وإصلاح البيئة القانونية والاقتصادية.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق أن استقرار سعر الصرف يحتاج إلى استقرار التشريعات والقرارات الاقتصادية، موضحًا أن المرحلة الحالية تتطلب سرعة ومرونة في اتخاذ القرارات، خاصة وأن المرحلة الحالية ما زالت انتقالية في ظل حكومة جديدة لم تستكمل بعد ضبط جميع الملفات. وأشار إلى أن ذلك لا يرتبط بضعف الحكومة، وإنما بالظروف العامة، لافتًا إلى أن العديد من التشريعات لم تُضبط بشكل كامل، وأن عددًا من القوانين ما زال بحاجة إلى تعديل، إضافة إلى أن بعض المؤسسات لم تبدأ عملها بصورة كاملة.
وأوضح أن أي خبر أو تغير في المشهد الاقتصادي والسياسي ينعكس على الأسواق وسعر الصرف، مؤكدًا أن الاستقرار يحتاج إلى وجود قرارات واضحة وسريعة ومرنة تتناسب مع طبيعة اقتصاد السوق. وأشار إلى ضرورة تسهيل حركة السلع ودخولها وخروجها من الأسواق، وإعادة تنظيم الإجراءات بما يتناسب مع طبيعة اقتصاد السوق. وشدد على ضرورة إعادة النظر في بعض الإجراءات الاقتصادية، بما يسمح بتسهيل حركة السلع ودخولها وخروجها من الأسواق، معتبرًا أن الاقتصاد الحر المطلوب ليس اقتصادًا بلا ضوابط، بل اقتصاد منظم ومنضبط وعقلاني يحقق التوازن بين حرية السوق ودور المؤسسات.
ويُعرف اقتصاد السوق الحر بأنه النظام القائم على حرية الأفراد بأي نشاط اقتصادي، ويبنى على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وتختلف آراء الأوساط الاقتصادية حول هوية الاقتصاد السوري اليوم، سواء كانت تعتمد اقتصاد السوق الحر أم الاقتصاد الموجه، أم اقتصاد بهوية هجينة، مع استمرار الأزمات الاقتصادية التي تعوق بناء الاقتصاد وتعافيه وتحديد هوية واضحة له.
الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال إن السياسة الاقتصادية في سوريا الآن تقوم على حماية المنتج المحلي “نوعًا ما”، ولا تزال سوريا في وقتها الحالي غير قادرة على فتح السوق لأن إنتاجها ضعيف، وبالتالي ستغرق في المواد المستوردة وسيكون هذا على حساب الإنتاج المحلي في سوريا، وذلك خلال حديثه في “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض، في 29 من تشرين الأول 2025. كما نفى مسؤول في الحكومة السورية، لعنب بلدي في وقت سابق، اتباع الحكومة اقتصاد السوق الحر، معتبرًا أن البيئة السورية اليوم غير مناسبة لتبنيه، وسياستها اليوم لا تقوم عليه، بل على سياسة اقتصادية تناسب الوضع الحالي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد