القمح في السويداء: إنتاج وفير يواجهه عبء التكاليف المرتفعة وصعوبات التسويق


هذا الخبر بعنوان "رغم تحسن الإنتاج.. ارتفاع التكاليف يرهق مزارعي القمح بالسويداء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع بدء موسم حصاد القمح في محافظة السويداء، تلوح مؤشرات إيجابية عامة تفوق ما شهدته السنوات الماضية، وذلك بفضل الهطولات المطرية التي ساهمت في تعزيز إنتاجية المحصول في مناطق عدة. إلا أن هذا التحسن لم يعم جميع المزارعين، حيث ظلت أراضي الريفين الشمالي والغربي خارج دائرة الزراعة هذا الموسم، في حين برزت تحديات جسيمة تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج والحصاد وتسويق المحصول.
وصف عدد من المزارعين، في حديثهم لعنب بلدي، الموسم الحالي بأنه "جيد جدًا مقارنة بالأعوام السابقة"، مؤكدين أن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المحافظة أسهمت بشكل كبير في تحسين وضع المحصول بعد سنوات من التدهور بسبب الجفاف. ومع ذلك، شدد المزارعون على أن تكاليف الزراعة ظلت مرتفعة، خاصة أسعار المازوت والأسمدة وأجور الآليات الزراعية.
تُعد تكاليف المازوت والحصاد من أبرز المعوقات التي تواجه المزارعين. في هذا السياق، وصف قيصر أ.، وهو مزارع من قرية حوط في الريف الجنوبي، الموسم الحالي بـ"الممتاز" مقارنة بالسنوات الماضية، لكنه أشار إلى أن ارتفاع أسعار المازوت جعل تكاليف الزراعة باهظة. وأوضح قيصر لعنب بلدي أن العديد من المزارعين لم يتمكنوا بعد من تقدير التكلفة النهائية للموسم قبل اكتمال الحصاد، مؤكدًا عزمهم على الاحتفاظ بالمحصول وعدم بيعه في الوقت الراهن. كما طالب بتوفير المازوت والحصادات لتيسير عمليات الزراعة وجني المحصول.
من جانبه، ذكر المزارع ناصر الحلبي أن بيع المحصول بات ضرورة ملحة لكثير من الأسر الزراعية لتلبية احتياجاتها المعيشية، بينما يفضل آخرون الاحتفاظ بالمحصول كإجراء احترازي تحسبًا لأي حصار محتمل قد تواجهه المحافظة مستقبلًا.
كما شكل ارتفاع تكاليف الحصاد والعمالة الزراعية عقبة كبيرة أمام المزارعين، حيث وصلت أجرة الحصادة إلى حوالي 100 ألف ليرة سورية للدونم الواحد، بينما تتراوح أجور الحصاد اليدوي بين 150 و250 ألف ليرة سورية للدونم الواحد، تبعًا للمنطقة وطبيعة العمل. وصرح "أبو أيمن"، وهو صاحب إحدى الحصادات في المحافظة، لعنب بلدي، بأن أصحاب الحصادات اضطروا لرفع الأسعار هذا الموسم نتيجة لزيادة أسعار المازوت وقطع التبديل وتكاليف الصيانة، مؤكدًا أن تكاليف تشغيل الآليات الزراعية شهدت ارتفاعًا ملحوظًا.
في محاولة لتخفيف النفقات، لجأ بعض المزارعين إلى الحصاد اليدوي، فقام قيصر بحصاد أرضه بمساعدة أفراد أسرته لعدم قدرته على تحمل أجور الحصادة أو استئجار ورشات عمال، رغم ما تطلبه ذلك من وقت وجهد إضافيين. وأشار المزارع ناصر إلى أن تراجع أسعار التبن وضعف الطلب عليه هذا العام قلل من الإيرادات التي يعتمد عليها المزارعون لتغطية جزء من نفقات الإنتاج، مضيفًا أن الحرائق والظروف الأمنية تمثل مخاوف رئيسية ترافق موسم الحصاد.
وأفاد مزارع آخر لعنب بلدي بأن المزارعين في السنوات الماضية كانوا يحصدون القمح بالحصادات ويحتفظون بالحبوب، بينما كان مربو المواشي يتولون دفع أجور الحصاد مقابل الاستفادة من بقايا المحصول وأعلاف الحقول. غير أن انخفاض الطلب على التبن هذا العام قلص هذه الميزة التي كانت تسهم في تخفيف جزء من التكاليف.
يمثل تسويق المحصول تحديًا كبيرًا. في هذا الصدد، أكد سامر السعدي، رئيس اتحاد الفلاحين في السويداء، في تصريح لمنصة "الراصد" المحلية في السويداء، أن الموسم الحالي يُعد من أفضل المواسم التي شهدتها المحافظة في السنوات الأخيرة، موضحًا أن الأمطار الجيدة انعكست إيجابًا على إنتاجية المحصول، وأن الفلاحين كانوا يترقبون موسمًا مماثلًا منذ حوالي خمسة أعوام. وأشار السعدي إلى أن الاتحاد قام بالتنسيق مع أصحاب الحصادات لوضع أسعار تأشيرية للحصاد، بلغت 80 ألف ليرة سورية للدونم عند حصاد التبن و60 ألف ليرة سورية للدونم عند حصاد القش، مبينًا أن هذه الأسعار غير ملزمة وتخضع للاتفاق بين صاحب الحصادة والمزارع، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل ومحدودية الآليات المتاحة.
وفيما يتعلق بواقع الإنتاج، أفاد السعدي بأن تقديرات محصول القمح في المحافظة تصل إلى نحو 25 ألف طن، وبعد استقطاع احتياجات المزارعين من البذار والمؤونة المنزلية، يتبقى حوالي 15 ألف طن جاهزة للتسويق. ووصف السعدي ملف التسويق بأنه التحدي الأكبر الذي يواجه المزارعين في المحافظة، لافتًا إلى وجود وعود بمعالجة بعض العقبات المتعلقة باستلام المحصول وتسويقه.
وكانت وزارة التجارة الداخلية قد حددت سعر شراء القمح مبدئيًا بـ4600 ليرة سورية للكيلوغرام، قبل أن يتم رفعه إلى 5500 ليرة سورية للكيلوغرام للدرجة الأولى، وذلك بعد استياء ومطالبات من المزارعين في جميع أنحاء سوريا الذين اعتبروا السعر الأولي غير متناسب مع تكاليف الإنتاج.
في سياق متصل، كشفت جولات ميدانية أجرتها لجنة فنية من مديرية الزراعة والبحوث العلمية الزراعية عن تفاوت في جودة محصول القمح بين مناطق المحافظة. فوفقًا لنتائج الكشف، سجلت قرى الهويا وملح وصلخد والقريا حالة عامة جيدة للمحصول مع توقعات بإنتاج مبشر، بينما تراوحت حالة المحصول بين المتوسطة والضعيفة في قرى بكا وذيبين وأم الرمان والغارية، خاصة في مناطقها الجنوبية.
وأرجعت اللجنة هذا التفاوت إلى عدة عوامل رئيسية، منها: التأخر في مواعيد الزراعة، زيادة معدلات البذار، انتشار الأعشاب الضارة، انحباس الأمطار خلال مرحلة امتلاء الحبوب (التي تُعد من أكثر مراحل نمو القمح حساسية لنقص المياه)، بالإضافة إلى عدم تنفيذ عمليات الخدمة الزراعية الضرورية خلال سنة السبات، مما أسهم في تراجع إنتاجية بعض الحقول.
وأوصت مديرية الزراعة المزارعين بضرورة الالتزام بمواعيد الزراعة المناسبة لكل منطقة، واعتماد معدلات البذار الموصى بها، ومكافحة الأعشاب الضارة، فضلًا عن تطبيق الدورة الزراعية ومراقبة الحقول بانتظام للحد من المشكلات التي قد تؤثر سلبًا على الإنتاج.
وعلى الرغم من أن هذا الموسم يُعتبر الأفضل منذ سنوات بالنسبة للعديد من المزارعين، إلا أن التحديات المرتبطة بالتكاليف الباهظة والتسويق، بالإضافة إلى خروج بعض الأراضي من دائرة الزراعة، تبقي نجاحه مرهونًا بقدرة المزارعين على تسويق إنتاجهم بأسعار تغطي نفقاتهم وتضمن استمرارية زراعة القمح في المحافظة.
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد