تطبيق "شام كاش": تحليل أكاديمي يكشف مخاطر الدولرة وتقويض السياسة النقدية في سوريا


هذا الخبر بعنوان "“شام كاش” بعيون أكاديمية.. هل يسرّع التطبيق الدولرة ويقوّض السياسة النقدية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
برز تطبيق "شام كاش" مؤخرًا كأداة محورية في مسار التحول المالي الرقمي في سوريا، متجاوزًا وظيفته كمحفظة إلكترونية ليصبح وسيلة معتمدة لصرف رواتب العاملين في القطاع العام، خاصة مع الإعلان عن مشاريع وخدمات مستقبلية يعتزم القائمون عليه إطلاقها.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن هذا التوجه، رغم أنه يعكس حاجة ماسة لحلول دفع بديلة في ظل شح السيولة والعقوبات الاقتصادية، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية حول نموذج الحوكمة المالية المعتمد. ويوضح الدكتور محمد أن السرعة في فرض التطبيق، مقترنة بغياب الشفافية حول ملكيته وهيكله التشغيلي، تستدعي إخضاعه لتحليل أكاديمي دقيق يتجاوز السردية الترويجية للتحول الرقمي إلى جوهر المخاطر النظامية والهيكلية التي قد يحملها هذا المسار للاقتصاد السوري.
تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في التوجه نحو إتاحة التحويل بين العملات داخل التطبيق، وما يرافقه من ازدواجية في سعر الصرف. يطرح هذا الأمر تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل شكلاً متقدمًا من أتمتة الدولرة أو اعترافًا عمليًا بها ضمن البيئة الرقمية. وفي حديثه لـ"الوطن"، يرى الدكتور محمد أن هذه الميزة يمكن النظر إليها أكاديميًا كتجسيد رقمي لظاهرة الدولرة، لأنها تحوّل الاحتفاظ بالدولار من سلوك فردي دفاعي إلى وظيفة نظامية مبرمجة ضمن المنظومة المالية الرقمية.
وأضاف أن أتمتة التحويل بين الليرة والعملات الأجنبية في بيئة تعاني تآكلاً مستمرًا في قيمة العملة الوطنية تمنح العملات الأجنبية شرعية تقنية لا تقل أهمية عن الشرعية القانونية. وهذا يعني أن المصرف المركزي، في حال الموافقة على هذه الآلية، لن يكون فقط مقرًا بوجود الدولرة، بل سيكون قد أدمجها في البنية التحتية للسوق المالية الرقمية، الأمر الذي يصعّب مستقبلاً أي محاولات ناجعة للعودة إلى هيمنة العملة الوطنية.
ولفت الدكتور محمد إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في تحديد سعر الصرف الذي ستتم على أساسه عمليات التحويل. فاعتماد السعر الرسمي يُعدّ، وفق وصفه، خيارًا غير مجدٍ اقتصاديًا بسبب الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والسعر الموازي الذي يعكس الندرة الحقيقية للعملة. واستخدامه يعني تقديم سعر صرف وهمي لا يمكن تطبيقه فعليًا في السوق، ما يفقد التطبيق مصداقيته.
وأوضح أن اعتماد السعر الموازي أو آلية قريبة منه، رغم كونه الخيار الأكثر واقعية، يمثل "انتحارًا سياسيًا واقتصاديًا للسياسة النقدية". فأي تطبيق حكومي أو شبه حكومي يعترف بالسعر الموازي كأساس لتحويلاته يلغي فعليًا دور المصرف المركزي في تحديد سعر الصرف ويعلن إفلاس السياسة الرسمية، ما قد يدفع الليرة إلى دوامة تراجع أسرع. ورجّح الدكتور محمد أن يكون الحل الأقرب هو اعتماد سعر سوق مدار مع فرض عمولات مرتفعة تمتص الفوارق السعرية، معتبرًا أن هذه الآلية، في حال عدم توافر احتياطيات نقدية كافية لدعم الليرة، ستكون بمثابة تطبيع للدولرة واعتراف ضمني بعجز السياسة النقدية عن حماية العملة الوطنية.
في سياق آخر، أشار الدكتور محمد إلى أن تنامي حالات الاحتيال المالي الرقمي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى ثقة المواطنين بالمنظومة المصرفية والإلكترونية، وهي ثقة وصفها بأنها شبه منعدمة أساسًا نتيجة تراكم أزمات المصادرة والتجميد في الذاكرة الجماعية للمواطنين. وأوضح أن الثقة في أي نظام مالي تقوم على عنصرين أساسيين هما حماية الأموال ووضوح آليات استرداد الحقوق عند وقوع الضرر، معتبرًا أن تحميل المستخدم وحده مسؤولية الاحتيال الإلكتروني من دون وجود آليات تعويض واضحة وسريعة يؤدي إلى تآكل ما تبقى من الثقة.
وأضاف أن المخاوف تتزايد مع وجود ثغرات أمنية محتملة أو إجبار بعض المستخدمين على تحميل التطبيق من خارج المتاجر الرسمية، مشيرًا إلى أن المواطن العادي لا يميّز بين الاختراق التقني والاحتيال الإلكتروني، لأن النتيجة النهائية واحدة وهي خسارة أمواله. ويرى الدكتور محمد أن هذا الواقع قد يؤدي إلى زيادة الإقصاء المالي بدلاً من تحقيق الشمول المالي، إذ ستتعامل شرائح واسعة من المواطنين مع التطبيق على أنه "وعاء حارق" يسحبون منه رواتبهم فورًا لتحويلها إلى نقد ورقي، الأمر الذي يبقي الاقتصاد قائمًا على التداول النقدي ويعطّل أهداف التحول الرقمي.
وأكد أن غياب صندوق تعويضات أو هيئة رقابية مستقلة وسريعة الاستجابة يجعل الاحتيال الرقمي "القاتل الصامت لأي طموحات تقنية"، لافتًا إلى أن المواطن الذي لم يعد يثق بالمصارف التقليدية لن يثق بالتطبيقات الرقمية ما لم يشعر بوجود مظلة قانونية ومؤسساتية تحمي حقوقه بشكل فعلي.
وفيما يتعلق بإمكانية الربط التقني بين التطبيق والمصارف العامة والخاصة، قال الدكتور محمد: إن الإمكانية الفنية موجودة وليست معقدة، وخاصة أن وثائق واجهات البرمجة تشير إلى إمكانية التكامل التقني كما هو معمول به في تطبيقات الدفع حول العالم. إلا أنه أوضح أن العقبات الحقيقية تكمن في الجوانب الاقتصادية والقانونية والتشغيلية، حيث تنظر المصارف، ولا سيما الحكومية منها، إلى التطبيق بوصفه منافسًا مباشرًا يقتطع جزءًا من سيولتها ورسوم خدماتها، كما أن إجبار المصارف على الربط مع شركة تبتلع ودائع المواطنين عبر الرواتب من دون أن تُودعها بالضرورة في خزائن تلك المصارف يخلق احتكاكًا مؤسسيًا خانقًا.
وأضاف أن مخاطر الامتثال وآليات تسوية العمليات المالية تشكل عائقًا إضافيًا، لا سيما في ظل غياب نظام مقاصة إلكتروني موحد وشفاف. وأشار الدكتور محمد إلى أن نموذج العمل الحالي يثير تساؤلات حول ارتباط التطبيق ببعض شركات الصرافة واستيعابه لمنصات سابقة، معتبرًا أن هذا النموذج يحقق أرباحًا وعمولات طائلة لجهات محددة ويعزل المصارف التقليدية، الأمر الذي يدفعها إلى مقاومة الربط الكامل لأنه سيدخل معايير أعلى من الشفافية والمنافسة.
وختم الدكتور محمد تحليله بالتأكيد على أن الربط الكامل بين التطبيق والمصارف التقليدية يبدو مستحيلاً في ظل البيئة الحالية، معتبرًا أنه لا يمكن إقامة علاقة تكامل حقيقية بين نظام مصرفي ينظمه القانون وتضبطه السيادة النقدية ونظام موازٍ يعمل كـ"دولة داخل الدولة المالية" متجاوزًا المقاصة المصرفية، ما يجعل أي تكامل محصورًا في الخدمات الأساسية من دون الوصول إلى إصلاح مالي ومصرفي بنيوي متكامل.
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد
سياسة