البكالوريا في سوريا: بين دعم الأسرة وضغوطها النفسية غير المقصودة على الطلاب


هذا الخبر بعنوان "العائلة والبكالوريا.. دعم مطلوب وضغوط غير مقصودة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في سوريا كل عام، تشهد العديد من البيوت السورية حالة من الاستنفار غير المعلن، حيث تتراجع الأنشطة الاجتماعية وتؤجل الزيارات والمناسبات، وتُفرض أجواء من الهدوء والترقب أملاً في توفير بيئة مناسبة للطلاب. في هذا المشهد المتكرر سنوياً، يجد طالب البكالوريا نفسه تحت ضغط متزايد من الأسرة والمحيط الاجتماعي، ما يضاعف الأعباء النفسية التي ترافق هذه المرحلة الدراسية المفصلية. وقد تشهد البنية الأسرية تحولاً في طبيعة العلاقة مع الطالب، إذ تتحول الأسرة، التي يُفترض أن تكون مصدر الدعم الأول، في بعض الأحيان ودون قصد، إلى أحد أبرز مصادر التوتر والضغط النفسي. تتساءل مريم حمدوني: كيف تحولت هذه المحطة التعليمية إلى حدث يُنظر إليه على أنه يحدد مستقبل الطالب ومكانته الاجتماعية؟
في الموروث الاجتماعي السوري، تحظى مرحلة الثانوية العامة بأهمية كبيرة، حتى أصبحت في نظر كثيرين محطة فاصلة ترسم مستقبل الطالب بشكل كامل. تتعامل شريحة واسعة من المجتمع مع هذه السنة الدراسية باعتبارها مفترق طرق؛ فإما تحقيق نتائج مرتفعة تمنح الأسرة شعوراً بالفخر، أو نتائج أقل من المتوقع يُنظر إليها بوصفها إخفاقاً، رغم أن ذلك لا يعكس بالضرورة قدرات الطالب أو مستقبله الحقيقي. يغفل هذا التصور الفروق الفردية بين الطلاب، وتنوع القدرات والميول، والظروف النفسية والجسدية التي يمر بها المراهقون في هذه المرحلة العمرية. كما أن الضغوط التي يمارسها الأهل بدافع الحرص والخوف على مستقبل أبنائهم قد تنعكس بصورة سلبية على الطالب، فينشأ لديه خوف من عدم تلبية توقعات أسرته أكثر من خوفه من الامتحان نفسه، الأمر الذي يستهلك طاقته الذهنية ويؤثر في تركيزه وقدرته على التحصيل.
تكشف الأجواء داخل كثير من المنازل خلال فترة الامتحانات عن حجم الضغوط التي يعيشها الطلاب، حيث تتحول أي نتيجة غير مرضية في اختبار تجريبي إلى مصدر قلق كبير داخل الأسرة. يشعر بعض الطلاب بأن مكانتهم داخل الأسرة أصبحت مرتبطة بنتائجهم الدراسية، وأن تحقيق التطلعات الجامعية التي يرسمها الأهل لهم بات معياراً للحكم على نجاحهم. كما تسجل هذه الفترة حالات من الإعياء الجسدي أو الانهيار النفسي نتيجة التوتر الشديد، إضافة إلى نوبات البكاء والقلق التي ترافق بعض الطلاب داخل قاعات الامتحان، وهو ما يعكس حجم الضغوط النفسية والتربوية التي تحيط بهذه المرحلة.
تظهر إحدى أبرز صور الضغط الأسري عند اختيار الطالب بين الفرعين العلمي والأدبي، حيث لا تزال بعض المعتقدات الاجتماعية تربط الفرع العلمي بالتفوق والطموح، في مقابل التقليل من أهمية الفرع الأدبي. أسهمت هذه النظرة في دفع عدد من الطلاب إلى اختيار الفرع العلمي استجابة لرغبة الأسرة أو لتحقيق مكانة اجتماعية معينة، دون مراعاة لميولهم أو قدراتهم الحقيقية. غالباً ما يؤدي ذلك إلى استنزاف الطالب نفسياً وعلمياً في دراسة مواد لا تنسجم مع اهتماماته، فيما تعيش الأسرة حالة من الترقب والمقارنات المستمرة مع الآخرين، الأمر الذي ينعكس على أجواء المنزل ويزيد من حدة التوتر.
لا يقتصر تأثير الضغوط العائلية على التوتر أو الخلافات اليومية، بل يمتد إلى الصحة النفسية والجسدية للطلاب. تؤكد الدراسات في علم النفس التربوي أن القدرة على التحصيل العلمي وحفظ المعلومات واسترجاعها ترتبط بوجود بيئة أسرية مستقرة وآمنة من الناحية الانفعالية، إذ يسهم الهدوء النفسي في رفع مستوى التركيز وتعزيز القدرة على التعلم.
عندما تعيش الأسرة حالة من الاستنفار والتوتر، فإنها تنقل هذا المناخ بصورة مباشرة إلى الطالب. ومن الناحية الفسيولوجية، يؤدي الخوف والضغط المستمران إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما ينعكس على مستوى التركيز والقدرة على استرجاع المعلومات، ويؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف الذاكرة قصيرة المدى. كما قد يسبب ذلك اضطرابات في النوم، كالأرق والكوابيس المتكررة، وهو ما يحرم الدماغ من فترات الراحة الضرورية لترتيب المعلومات وتعزيز عملية التعلم. وفي كثير من الأحيان، يقدم الأهل، بدافع الحرص على مستقبل أبنائهم، بيئة نفسية غير مناسبة لتحقيق النجاح، فيدفعون الطالب، من دون قصد، نحو مزيد من الإنهاك النفسي والجسدي قبل بدء الامتحانات الفعلية.
لا ينبع تحول العائلة إلى مصدر للضغط والتوتر من القسوة أو الرغبة في الإيذاء، وإنما من إفراط في الحرص والخوف على مستقبل الأبناء. وينعكس هذا الإفراط في مجموعة من السلوكيات اليومية التي تزيد الأعباء النفسية على الطالب، من أبرزها:
إن معالجة هذه الظاهرة المجتمعية تتطلب إعادة النظر في الثقافة السائدة تجاه التعليم والنجاح والتفوق. فلم يعد سوق العمل الحديث، ولا المعايير العلمية المعاصرة، يحصران النجاح في عدد محدود من التخصصات الجامعية، بل أصبحت مجالات العلوم الإنسانية واللغات والفنون وإدارة الأعمال والبرمجة والتكنولوجيا الرقمية توفر فرصاً مهنية واقتصادية لا تقل أهمية عن التخصصات الطبية والهندسية، التي تشهد في كثير من الأحيان حالة من التشبع في أسواق العمل.
انطلاقاً من ذلك، ينبغي أن تستعيد الأسرة دورها الطبيعي بوصفها الحاضنة النفسية الأولى للأبناء، ومصدر الطمأنينة والدعم بعيداً عن الضغوط والأحكام المسبقة. ويتحقق ذلك من خلال عدد من الممارسات الأساسية، أهمها:
في الختام، يبقى امتحان الشهادة الثانوية محطة تعليمية مهمة، لكنه ليس المعيار الوحيد الذي يحدد مستقبل الإنسان أو قدرته على النجاح والإبداع. إن الحفاظ على الصحة النفسية للأبناء، واحترام ميولهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، يمثل استثماراً طويل الأمد في مستقبلهم، ويعزز دور الأسرة بوصفها منبعاً للدعم والاستقرار، لا مصدراً للضغط والقلق، بما يتيح للأبناء مواجهة تحديات الحياة بثقة وتوازن.
أخبار سوريا الوطن١-الثورة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي