صمود وإرادة: أم مدين تتحول من مخيم الهول إلى رائدة مشروع ألبان في الطبقة


هذا الخبر بعنوان "من مخيم الهول إلى مشروع ألبان في الطبقة… أم مدين تعيد بناء حياتها من جديد" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أطراف مدينة الطبقة بريف الرقة، حيث لا تزال الأحياء تحمل ندوب سنوات الحرب والتغيرات الاجتماعية القاسية، تبدأ أم مدين يومها بنشاط أمام مشروعها الصغير للألبان. تسعى أم مدين من خلال هذا المشروع إلى بناء حياة جديدة لم تكن مسيرتها إليها سهلة أو مستقرة. تختزل أوعية الحليب والمعدات البسيطة قصة رحلة طويلة من مخيم الهول إلى استقرار نسبي، ومن عزلة عميقة إلى محاولة جادة للاندماج مجدداً في مجتمع لا يزال يتعامل بحذر مع العائدين من المخيم.
تُعد قصة أم مدين نموذجاً لعشرات النساء اللواتي عدن من مخيم الهول خلال السنوات الماضية، حاملات معهن تجارب ثقيلة وظروفاً معقدة. يواجهن واقعاً قاسياً يتمثل في غياب الدخل، وصعوبة تأمين السكن، وضعف الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى تحديات اجتماعية مرتبطة بالوصمة والنظرة المجتمعية الحذرة، فضلاً عن تعقيدات قانونية وإدارية تتعلق بالأوراق الثبوتية والتعليم. ورغم هذه الصعوبات الجمة، آثرت أم مدين أن تنطلق من نقطة الصفر تقريباً، ساعية لتحويل خبرة بسيطة إلى مصدر رزق يعينها وأطفالها على تحمل أعباء الحياة اليومية.
بعد أن أمضت أم مدين ما يقارب عامين ونصف العام داخل مخيم الهول، في ظروف وصفتها بالقاسية حيث تداخلت صعوبات المعيشة اليومية مع غياب الاستقرار والخدمات الأساسية، عادت إلى مدينة الطبقة ضمن دفعات من العائدين بكفالات محلية. هناك، واجهت واقعاً مغايراً تماماً لتوقعاتها؛ فلا منزل جاهز كان ينتظرها، ولا مصدر دخل مؤمن، ولا شبكة اجتماعية يمكنها الاعتماد عليها. حتى أطفالها عانوا من صعوبات تتعلق بالتعليم والوثائق الرسمية. تصف أم مدين الوضع لـ”سوريا 24” قائلة: “عدت إلى مدينة لا أعرف فيها أحداً… بلا بيت ولا عمل ولا أي مصدر دخل”. لم تكن هذه البداية مجرد تحدٍ اقتصادي، بل كانت حالة من الارتباك النفسي والاجتماعي العميق، حيث يجد العائد نفسه محصوراً بين ضرورة إعادة بناء حياته ونظرة مجتمع لم يمحُ من ذاكرته بعد خلفيات التجربة التي مر بها.
في الأشهر الأولى التي تلت عودتها، اضطرت أم مدين للعمل في الزراعة، وهو خيار متاح لكنه كان مرهقاً وغير مستقر. كانت تعمل يومياً لتأمين أدنى متطلبات أسرتها، في ظل ارتفاع مستمر للتكاليف وشح في فرص العمل. لم يكن هذا العمل محطة نهائية، بل مرحلة مؤقتة فرضتها الظروف، قبل أن تقرر العودة إلى مهارة قديمة اكتسبتها قبل سنوات: صناعة الألبان والأجبان.
مدفوعة بالحاجة، شرعت أم مدين في تجربة بسيطة داخل منزلها، مستعيدة مهارة قديمة. اشترت كميات محدودة من الحليب، وبدأت بإنتاج اللبن والجبنة باستخدام وسائل بدائية، بعيداً عن أي تجهيزات متقدمة أو أدوات إنتاج حديثة. كانت العملية بطيئة، والإنتاج محدوداً، واقتصر التسويق على دائرة ضيقة جداً من المعارف والجيران. ورغم التحديات اليومية، مثل ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة التوسع، واصلت أم مدين عملها الدؤوب. ومع مرور الوقت، بدأت هذه المبادرة الصغيرة تتحول تدريجياً إلى مصدر دخل أكثر استقراراً، وإن ظل محدوداً.
لم يقتصر التحول في حياة أم مدين على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتد ليشمل الجانب النفسي أيضاً. ففي فترة لاحقة، انخرطت في جلسات دعم نفسي وتوعية نظمتها منظمات محلية تستهدف العائدين من مخيم الهول. هذه الجلسات، التي تضمنت أيضاً لقاءات للدمج الاجتماعي ونقاشات حول حل النزاعات، وفرت لها مساحة فريدة للتعبير عن تجربتها والتواصل مع نساء أخريات يشاركنها ظروفاً مشابهة. تقول أم مدين: “في تلك الجلسات شعرت أنني لست وحدي… وأن هناك من يمر بما أمر به. هذا الشيء أعاد لي القدرة على الاستمرار”. لقد ساهم هذا الدعم، على بساطته، في التخفيف من شعورها بالعزلة وفتح آفاقاً جديدة لإعادة بناء الثقة بالنفس، وهي خطوة جوهرية في أي مسعى للاندماج الاجتماعي.
لاحقاً، تلقت أم مدين دعماً بسيطاً من إحدى المنظمات. ورغم أن قيمته لم تكن كبيرة، إلا أنه أحدث فارقاً عملياً ملموساً في إنتاجها. فقد مكنها من شراء بعض المعدات الأساسية التي أسهمت في تحسين جودة العمل وزيادة الكميات المنتجة. انعكس هذا التحسن مباشرة على قدرتها التسويقية، فبدأت ببيع منتجاتها داخل مدينة الطبقة، واستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى قاعدة أوسع من الزبائن. ومع مرور الوقت، توسع نطاق مشروعها ليشمل إنتاج اللبن والجبنة والسمن العربي، ليصبح مصدر دخل أكثر انتظاماً مقارنة بالمراحل السابقة.
تتجاوز تجربة أم مدين كونها مجرد قصة مشروع فردي؛ فهي تعكس جانباً أوسع من واقع النساء العائدات من مخيم الهول، وتسلط الضوء على الحاجة الماسة لبرامج دعم تتعدى المساعدات المادية لتشمل التمكين النفسي والاقتصادي وإعادة الدمج الاجتماعي. فالعمل، بالنسبة للعديد من هؤلاء النساء، لا يمثل مجرد مصدر دخل، بل هو وسيلة لإثبات الذات وإعادة بناء مكانتهن الاجتماعية ضمن مجتمع لا يزال يتعامل بحذر مع هذه الفئة. تؤكد أم مدين لـ”سوريا 24”: “لو كان هناك دعم بسيط لكل امرأة لديها خبرة، لكان بإمكان الكثيرات أن يبدأن حياة جديدة أفضل”.
من خيمة في مخيم الهول إلى مشروع ألبان صغير في مدينة الطبقة، تجسد رحلة أم مدين قصة تحول هادئ وعميق في آن واحد. إنها حكاية صراع بين واقع قاسٍ ومحاولة دؤوبة لإعادة بناء الحياة. هذه القصة، وإن لم تقدم إجابات نهائية، إلا أنها تفتح نافذة أمل على إمكانية التغيير، خاصة عندما تتلاقى الإرادة الفردية مع دعم محدود، ضمن سياق اجتماعي لا يزال يسعى جاهداً لإيجاد توازن جديد بين تحديات الماضي وآمال الحاضر.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي