قلعة صلاح الدين: إدراجها بقوائم الإيسيسكو يعزز مكانتها كأحد أبرز كنوز التراث العالمي


هذا الخبر بعنوان "قلعة صلاح الدين على قوائم الإيسيسكو.. اعتراف جديد بقيمة أحد أهم الحصون التاريخية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
اللاذقية-سانا: تقف قلعة صلاح الدين شامخة فوق جبال الساحل السوري، مندمجة مع صخورها كجزء أصيل منها عبر القرون، شاهدةً على فصول من الحصار والفتح، وتوالي حضارات تركت بصماتها العميقة في حجارتها وأسوارها وخنادقها. ضمن هذا السياق، تواصل زاوية "نبض التراث" في سانا الثقافية استكشافها لكنوز الذاكرة السورية، مسلطة الضوء على هذا الحصن التاريخي البارز عالمياً، والذي عاد ليحتل واجهة الاهتمام الثقافي والتراثي بعد أن أُدرج ضمن قوائم التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو". هذه الخطوة تؤكد قيمته الحضارية وتفتح آفاقاً جديدة لحمايته والتعريف به.
وفي تصريح خاص لوكالة سانا، أوضح رئيس دائرة الآثار والمتاحف في اللاذقية، محمد ممدوح الحسن، أن تسجيل القلعة على قوائم الإيسيسكو يمثل اعترافاً دولياً راسخاً بقيمتها الحضارية والمعمارية الفريدة. وأكد الحسن أن هذا الإدراج يعزز أهمية التراث السوري كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية المشتركة، مشيراً إلى أن هذه المبادرة ستسهم بفعالية في دعم الجهود الرامية إلى صون القلعة وإبرازها كوجهة ثقافية وسياحية عالمية.
تقع قلعة صلاح الدين، التي عُرفت تاريخياً باسم "صهيون"، على بعد حوالي 30 كيلومتراً شرق مدينة اللاذقية. تتربع القلعة على سلسلة جبلية ترتفع نحو 410 أمتار عن سطح البحر، وتتميز بإشرافها الاستراتيجي على ممرات حيوية تربط الساحل السوري بالداخل، مما أكسبها أهمية عسكرية استثنائية على مر العصور.
وبحسب الحسن، تُصنف القلعة كواحدة من أبرز القلاع الدفاعية في منطقة الشرق، وتتميز بتصميم هندسي استثنائي يمزج بين التحصينات البيزنطية والعمارة الصليبية، بالإضافة إلى الإضافات الأيوبية والمملوكية. هذا التنوع المعماري يجعلها سجلاً حياً يوثق تعاقب حضارات وثقافات متعددة على هذه البقعة من الأرض السورية.
تعود الجذور التاريخية للموقع إلى العهد البيزنطي، ثم تحول خلال القرن الثاني عشر إلى أحد أهم الحصون الصليبية. من أبرز الإنجازات الهندسية لتلك المرحلة الخندق الصخري الهائل، الذي حُفر بعمق يصل إلى نحو 28 متراً وعرض يتجاوز 20 متراً في بعض أجزائه، لفصل القلعة عن الهضبة المجاورة، ويُعد هذا الخندق من أعظم الأعمال الهندسية العسكرية في العصور الوسطى.
في عام 1188، نجح القائد صلاح الدين الأيوبي في فتح القلعة وضمها إلى الدولة الأيوبية، ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها به. دخلت القلعة مرحلة جديدة شهدت إضافات عمرانية وعسكرية استمرت خلال العهدين الأيوبي والمملوكي، مع الحفاظ على معظم عناصرها الأصلية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.
تضم القلعة منظومة دفاعية متكاملة تشمل أبراجاً ضخمة وأسواراً منيعة وخزانات مياه وقاعات محصنة وممرات سرية. كما تحتوي على كنيسة بيزنطية تحولت لاحقاً إلى مسجد، ومجموعة من المنشآت السكنية والخدمية التي تعكس تطور فنون العمارة والتحصين العسكري على مدى قرون طويلة. لم تأتِ شهرة القلعة من فراغ، فقد دفعت قيمتها المعمارية والتاريخية الاستثنائية منظمة اليونسكو إلى إدراجها عام 2006 على قائمة التراث العالمي، إلى جانب قلعة الحصن، كنموذجين بارزين للعمارة العسكرية في العصور الوسطى وأكثرهما اكتمالاً على مستوى العالم.
يؤكد الحسن أن إدراج القلعة ضمن قوائم الإيسيسكو يضيف بعداً جديداً لأهميتها، فهو يعزز حضورها ضمن مسارات التعاون الثقافي الإسلامي، ويفتح الباب أمام مشاريع التوثيق والصون والتأهيل. هذا يتماشى مع الجهود الوطنية الساعية لإعادة إبراز المواقع الأثرية السورية وتعزيز مكانتها في المحافل الدولية.
يأتي هذا الإنجاز ضمن مسار متجدد للتعريف بالمواقع التراثية السورية وإبراز قيمتها الحضارية، وذلك بعد سنوات طويلة من التحديات التي أثرت في قطاع التراث الثقافي.
لا يقتصر دور القلعة اليوم على قيمتها التاريخية فحسب، بل يتجدد أيضاً من خلال استعادة دورها الثقافي والسياحي. يشير الحسن إلى أن القلعة ظلت مغلقة أمام الزوار منذ زلزال شباط 2023 الذي ضرب المنطقة، قبل أن يُعاد افتتاحها في شهر أيار الماضي. وخلال الشهر ذاته، استقبلت القلعة نحو 1470 زائراً، مما يعد مؤشراً على عودة الاهتمام بهذا المعلم التاريخي وقيمته الثقافية والوطنية. وهذا يستدعي، بحسب الحسن، تضافر جهود الجهات المعنية لتأمين الخدمات الأساسية اللازمة للموقع، مثل المياه والكهرباء والمرافق العامة، لضمان توفير بيئة مناسبة للزوار وتنشيط الحركة السياحية والثقافية في المنطقة.
تزخر سوريا بالعديد من القلاع والحصون التاريخية التي تعود إلى عصور مختلفة، منها قلاع حلب والحصن وجعبر والمرقب. إلا أن قلعة صلاح الدين تتميز بخصوصية معمارية ودفاعية فريدة منحتها مكانة استثنائية. فهي من أكثر الحصون الوسطية حفاظاً على عناصرها الأصلية، وتحتضن واحداً من أبرز الخنادق الصخرية المحفورة عالمياً، وتمثل نموذجاً نادراً يجمع بين العمارة البيزنطية والصليبية والأيوبية والمملوكية في موقع واحد، مما يجعلها سجلاً عمرانياً فريداً لتاريخ التحصينات العسكرية في المنطقة.
مع إدراجها على قوائم الإيسيسكو، تستعيد القلعة حضورها البارز في المشهد الثقافي العالمي، بوصفها أحد أهم معالم التراث السوري وإرثاً إنسانياً يستحق الحماية والتعريف به ونقله إلى الأجيال القادمة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة