سوريا بين طموحات بناء الدولة وتحديات الفراغ القيادي: قلق متزايد وآمال معلقة


هذا الخبر بعنوان "سورية بين الأمل والقلق" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إعداد: القاضي المتقاعد حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية
تمر الشعوب بلحظات تاريخية تبدو وكأنها أحلام مستحيلة، حتى إذا تحققت، وقف الناس أمامها في ذهول. بالنسبة لي، ولملايين السوريين، كانت نهاية النظام الأسدي إحدى تلك اللحظات الاستثنائية. لم يكن الكثيرون يتصورون أنهم سيعيشون لرؤية نهاية منظومة الأسد التي استمرت عقودًا، محاطة بالشبيحة والميليشيات الطائفية وشبكات النفوذ الخارجي. هذه المنظومة أهدرت سيادة البلاد، وبددت استقرارها، ورهنت مستقبل أجيالها، بينما رسخت أركان القمع والفساد والاستبداد، وسيطرت على الدولة والمجتمع. كنا نعتقد أن هذه اللحظة مؤجلة لأجيال قادمة، لكن إرادة الله شاءت أن نراها بأعيننا، ونشهد نهاية مرحلة كاملة من تاريخ سوريا.
كانت الفرحة عارمة وغير مسبوقة، فهي لم تكن مجرد انتصار سياسي، بل كانت فرحة شعب بدأ يخرج أخيرًا من نفق طويل من الخوف والمعاناة. تعززت مساحة الأمل مع التصريحات الأولى للقيادة الجديدة، والخطابات التي تحدثت عن الدولة، والعدالة، والمواطنة، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية. شعر السوريون بفتح باب جديد أمامهم، وبفرصة لبناء وطن يتسع للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والاستبداد.
لكن مع مرور الوقت، بدأ المشهد يثير تساؤلات وقلقًا متزايدًا. فبدلًا من الأمن والاستقرار الشامل، اتسعت مظاهر الفوضى والانفلات في بعض المناطق. وبدلًا من تقدم ملفات العدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب، ظهرت مؤشرات مقلقة توحي بمعاملة بعض المتورطين كشخصيات عامة لا كمجرمين. واستمرت الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وتفاقمت البطالة والفقر، بينما انشغل الخطاب العام أحيانًا بأفكار بعيدة عن أولويات المواطن.
تشكل لدى شريحة واسعة انطباع متزايد بأن القرار العام يتركز في دائرة سياسية ضيقة، وأن مؤسسات الدولة تُبنى بمنطق الغلبة لا الشراكة الوطنية. هذا الواقع ولّد حالة من التوجس وعدم الرضا، وساد الصمت لدى الكثيرين، وهو صمت قد يعكس الخيبة أو فقدان الثقة بجدوى الكلام.
من الخطأ الاعتقاد بإمكانية عودة النظام السابق، فقد فقد شرعيته السياسية والاجتماعية وأسقطه الشعب السوري. لكن الوهم الآخر، وهو الاعتقاد بأن سوريا تجاوزت مرحلة الخطر، لا يقل خطورة. فالبلاد ما تزال تواجه تحديات عميقة، والطريق نحو الاستقرار طويل وشاق.
أخشى شخصيًا من خطر "الفراغ القيادي"، وهو من أخطر المراحل التي تمر بها الدول الخارجة من النزاعات، لأنه يفتح الباب أمام الفوضى، ويغري القوى الخارجية بالتدخل، ويهيئ بيئة للصراعات الداخلية.
تجنب هذا السيناريو يتطلب معادلة وطنية متوازنة تقوم على مسؤولية مشتركة بين القيادة الحالية والنخب الوطنية والثورية والقوى المجتمعية. القيادة مطالبة بإدراك أن بناء الدولة لا يتم بالاحتكار أو الإقصاء، بل بالانفتاح على جميع السوريين. فالنخب الوطنية والثورية وقوى المعارضة تقع عليها مسؤولية الانتقال من موقع الاحتجاج إلى المشاركة في بناء الدولة، بتقديم الرؤى والبرامج والحلول الواقعية.
يمكن تسمية ذلك "معادلة التوازن الوطني"، وهي تقوم على الشراكة الحقيقية بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والقوى الوطنية، وبين مختلف المكونات السورية. الدولة لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالهيمنة، ولا تتعافى بالانفراد بالقرار.
المدخل الحقيقي للإصلاح الجاد يبدأ بالإصلاح السياسي، بوصفه الأساس للإصلاحات الأخرى. هذا يتطلب إنضاج مشروع وطني يشارك فيه جميع السوريين، وإطلاق "حوار وطني" شامل. ينبغي أن تشرف على هذا الحوار لجنة وطنية مستقلة تضم شخصيات كفوءة ونزيهة وتمثل مختلف المكونات السورية.
تتولى اللجنة إعداد مشروع ميثاق وطني، وتشكيل لجان فرعية لضمان تمثيل حقيقي لمختلف فئات المجتمع. المؤتمر الوطني الناتج عن هذا التمثيل سيكون منصة للحوار والتوافق على أسس سورية المستقبل.
ينبغي أن يتمخض عن المؤتمر اعتماد ميثاق وطني كدستور مؤقت، وتشكيل هيئة وطنية تمثيلية للإشراف على المرحلة الانتقالية، وتأسيس المؤسسات الدستورية والسياسية اللازمة، بما في ذلك حكومة وحدة وطنية تكنوقراط، وهيئة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وهيئة تشريعية، ومجلس قضاء أعلى مستقل، ومحكمة دستورية، وجمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد.
عندها فقط يمكن القول إن سوريا انتقلت من مرحلة إسقاط النظام إلى بناء الدولة، ومن فرحة الانتصار على الماضي إلى الاطمئنان على المستقبل.
الانتقال إلى الاستقرار يقتضي إيجاد أرضية قانونية تسمح بحياة سياسية سليمة. وهذا يتطلب إعداد وإقرار القوانين الخمسة التالية: قانون مجلس النواب، قانون الأحزاب، قانون الانتخابات، قانون العزل السياسي، وقانون العدالة الانتقالية.
يجب أن تُبنى هذه القوانين على أسس واضحة: قانون مجلس النواب يحدد شكل السلطة التشريعية واختصاصاتها وضمانات استقلالها. قانون الأحزاب يؤسس لحياة حزبية حقيقية تقوم على التعددية والتنافس السلمي، مع منع الأحزاب على أسس طائفية أو عرقية. قانون الانتخابات يضمن نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص. قانون العزل السياسي أداة لحماية المرحلة الانتقالية من إعادة إنتاج شبكات الفساد والاستبداد. قانون العدالة الانتقالية هو المدخل لمعالجة آثار المرحلة السابقة عبر كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر والمساءلة.
إصدار هذه القوانين وفق الأسس المبيّنة يمثل بداية فعلية تمهد لحياة سياسية سليمة والانتقال إلى دولة المؤسسات والقانون والمواطنة. أما تأجيلها، فيعني استمرار الأزمة وبقاء السلطة مهددة بالانزلاق نحو الاستبداد مجددًا. (موقع: اخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة