القضاء السوري: العدالة ليست انتقامًا أو استجابة لضجيج الإعلام.. والإدانة تبنى على اليقين لا الظن


هذا الخبر بعنوان "محكمة الجنايات لا تُدين على الظن… والإعلام ليس قاعة محكمة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية
في ظل ما يعيشه الشعب السوري من حالة اضطراب نتيجة ما تعرّض له من ويلات وانتهاكات خلّفت جراحًا عميقة، وأوجدت لديه رغبةً مشروعة في محاسبة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، تقتضي الضرورة التذكير ببعض المبادئ الأساسية للملاحقة القضائية، ومن أهمها:
أولًا: أن تكون الملاحقة شاملة لا انتقائية، تشمل كل من ارتكب جريمة، قبل سقوط النظام أو بعده، أياً كانت صفته أو انتماؤه أو موقعه. سواء تعلق الأمر بجرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو جرائم الفساد ونهب المال العام، أو الاستيلاء على ثروات البلاد وسلب حقوق العباد، بما في ذلك سرقة النفط السوري والاتجار غير المشروع به، أو أي فعل آخر يجرّمه القانون. فلا حصانة لمجرم بسبب زمن ارتكاب الجريمة، ولا يجوز أن يكون تغيّر السلطة سببًا للإفلات من العقاب.
ثانيًا: أن تكون الملاحقة عادلة لا انتقامية، فغاية العدالة ليست التشفي أو الثأر، وإنما كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفقًا للقانون، وإنصاف الضحايا، وصون حقوق جميع أطراف الدعوى، بما يرسخ الثقة بالقضاء ويحقق السلم المجتمعي.
ثالثًا: ألّا تُستبدل الأدلة القضائية بالعاطفة أو الغضب أو الضجيج الإعلامي. فالأحكام القضائية لا تُبنى على الانطباعات أو الشائعات أو الحملات الإعلامية، وإنما على الأدلة القانونية اليقينية المطروحة في ملف الدعوى، والتي نوقشت بين الخصوم وفقًا لمبدأ المواجهة وضمانات الدفاع.
رابعًا: الالتزام الكامل بسيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها:
وكذلك الالتزام بالمبادئ الراسخة في القضاء الجنائي، ومنها:
فإذا كانت الأدلة غير كافية، فإن المحكمة تصدر حكمًا بالبراءة، وإذا تبيّن لها أن الفعل المسند إلى المتهم لا يشكل جريمة، فإنها تقضي بعدم مسؤوليته.
هنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في أذهان الناس:
أولًا: إن حكم البراءة لا يعني دائمًا ثبوت براءة المتهم من الناحية الواقعية، وإنما يعني أن جهات الاتهام، ممثلةً بالضابطة العدلية، وقاضي التحقيق، وقاضي الإحالة، والنيابة العامة، قد عجزت أو قصّرت في تقديم الأدلة القانونية الكافية التي تتيح للمحكمة إصدار حكم بالإدانة. ذلك أن القاعدة المستقرة في القانون الجزائي تقضي بأن عبء الإثبات يقع على عاتق سلطة الاتهام، ولا يُكلَّف المتهم بإثبات براءته، بل يتمتع بقرينة البراءة التي تلازمه إلى أن تُدحض بأدلة قانونية يقينية تكفي لإثبات ارتكابه الجريمة.
ثانيًا: للإعلام دور مهم في كشف الحقائق وإطلاع الرأي العام على مجريات الأحداث، إلا أن هذا الدور يفقد مشروعيته عندما يتحول من نقل الوقائع إلى إصدار الأحكام، أو عندما يُعامل الاتهام وكأنه إدانة، فتُنشأ محاكمات إعلامية تسبق القضاء وتحاول التأثير في استقلاله. كما تتحول بعض وسائل الإعلام إلى محاكم موازية تصدر أحكامها قبل القضاء، أو تمارس ضغطًا شعبيًا أو إعلاميًا على القضاة لدفعهم إلى الإدانة دون اكتمال الدليل. فالقاضي لا يحكم بما يُنشر في وسائل الإعلام، ولا بما يتداوله الناس، وإنما بما يثبت في أوراق الدعوى بعد مناقشته علنًا ووفق الضمانات القانونية.
ملاحظة: إذا حصل تقصير ـ لا سمح الله ـ من قبل جهات الاتهام، فلا ينبغي تحميل المحكمة مسؤوليته. كما أنه إذا وقع خطأ أو سوء تقدير من المحكمة، فلا يجوز تحميل جهات الاتهام مسؤوليته.
الخلاصة: إن العدالة ليست عملية انتقامية، ولا ممارسة انتقائية، ولا استجابة لضغط الإعلام، ولا وسيلة لإرضاء الغضب العام، وإنما هي التطبيق المجرد للقانون على الجميع، دون تمييز أو محاباة أو انتقام. فالعدالة الحقيقية تقوم على سيادة القانون، واحترام قرينة البراءة، والإيمان بأن الإدانة لا تُبنى إلا على الأدلة القانونية اليقينية المطروحة في ملف الدعوى، والمناقشة بين الخصوم وفقًا لأصول المحاكمات، وأن الشك يُفسَّر دائمًا لمصلحة المتهم، ولا يصلح أن يكون دليلًا على إدانته.
وفي المقابل، فإن العدالة لا تعني التساهل مع الجريمة والمجرمين، بل تقتضي ألّا يفلت أي مجرم من العقاب، وألّا يُدان أي إنسان بغير دليل يقيني. فهذان المبدآن متلازمان، ولا تتحقق العدالة إلا باجتماعهما. وإذا كان من مبدأ ينبغي أن يبقى حاضرًا في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، فهو أن “العدل أساس الملك” وأن يد العدالة يجب أن تمتد إلى كل من ارتكب جريمة، أيًا كان الطرف الذي ينتمي إليه أو الموقع الذي يشغله، فلا حصانة لمجرم، ولا إدانة لبريء.
وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة القانون، التي تحتكم إلى القضاء والأدلة، ودولة الانفعال، التي تستبدل الأحكام القضائية بالمحاكمات الإعلامية والانطباعات العامة. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة