موجات الحر الأوروبية: اختبار قاسٍ لقدرة القارة على مواجهة التغير المناخي وتداعياته المميتة


هذا الخبر بعنوان "أوروبا في قبضة القيظ.. الحر يختبر قدرة القارة على مواجهة التغير المناخي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بروكسل-سانا: لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة صيفية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة القارة على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة. امتدت درجات الحرارة القياسية من الدول الإسكندنافية وصولاً إلى جبال الألب، مخلفةً آثاراً عميقة على قطاعات حيوية كالصحة والطاقة والنقل. وتتزايد التحذيرات من وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة التي يُتوقع أن تشهدها السنوات المقبلة.
سجلت عدة دول أوروبية خلال الأيام الماضية درجات حرارة غير مسبوقة، تجاوزت في بعض المناطق حاجز الـ 40 درجة مئوية، مما دفع العديد منها إلى إعلان حالة التأهب القصوى مع استمرار الموجة واتجاهها نحو شرق القارة.
في تطور مقلق، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن موجة الحر التي تضرب أوروبا منذ 21 حزيران الجاري قد أودت بحياة أكثر من 1300 شخص، مما يعكس خطورة التداعيات الصحية لهذه الظاهرة المناخية. وأشار المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى أن نحو مليون شخص ما زالوا يعيشون في ظروف حر شديد، وأن الموجة تسببت في إغلاق مدارس وفرض ضغوط هائلة على شبكات الكهرباء والخدمات الصحية في عدد من الدول الأوروبية.
شهدت ألمانيا والدنمارك والتشيك وسويسرا درجات حرارة غير مسبوقة لشهر حزيران. كما سجلت ألمانيا واحدة من أدفأ الليالي منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، مما زاد من إجهاد السكان والضغوط على شبكات الخدمات. وأوضحت هيئات الأرصاد الأوروبية أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة ليلاً يحرم الجسم من فرصة التعافي من الإجهاد الحراري، مما يزيد من مخاطر المضاعفات الصحية، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفاً ككبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة.
لم تقتصر تداعيات موجة الحر على القطاع الصحي فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية وقطاع الطاقة. اضطرت بعض المحطات النووية في فرنسا وسويسرا إلى خفض إنتاجها أو تعليق تشغيل بعض وحداتها بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد. كما تعرضت شبكات السكك الحديدية والطرق لضغوط كبيرة نتيجة تمدد المعادن والإسفلت بفعل الحرارة المرتفعة. وفي ألمانيا، أتاحت شركات النقل للمسافرين تعديل أو إلغاء رحلاتهم دون رسوم، تحسباً لأي اضطرابات قد تسببها درجات الحرارة المرتفعة أو العواصف الرعدية المتوقعة.
وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الألمانية، فإن انتهاء موجة الحر لا يعني زوال المخاطر، إذ يُتوقع أن تعقبها عواصف رعدية عنيفة، قد تكون مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح قوية وتساقط للبرد، نتيجة اصطدام الكتل الهوائية الحارة بأخرى أكثر برودة. ويرى خبراء الأرصاد أن هذا النمط أصبح أكثر تكراراً مع ازدياد الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بارتفاع حرارة الأرض.
أكدت مجموعة World Weather Attribution، المتخصصة في دراسة العلاقة بين الظواهر الجوية والتغير المناخي، أن موجة الحر الحالية كانت ستصبح شبه مستحيلة لولا الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري. وأشارت إلى أن درجات الحرارة الليلية المرتفعة أصبحت اليوم أكثر احتمالاً بنحو مئة مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين. واعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الموجة الحالية قد تكون من أكثر موجات الحر اتساعاً التي شهدتها أوروبا، بينما تؤكد الوكالة الأوروبية للبيئة أن القارة الأوروبية تسجل أعلى معدلات الاحترار مقارنة ببقية قارات العالم.
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن موجات الحر أصبحت من أخطر الظواهر المناخية على صحة الإنسان، بعدما تسببت بوفاة مئات الآلاف عالمياً خلال السنوات الأخيرة. وتشير بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن أوروبا قد تواجه ارتفاعاً كبيراً في الوفيات المرتبطة بالحرارة إذا استمرت درجات حرارة الكوكب في الارتفاع. وفي المقابل، تتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي للاستثمار في المدن الخضراء، وتوسيع المساحات المظللة، وتحديث البنية التحتية وشبكات الكهرباء، وتعزيز خطط الإنذار المبكر، باعتبار أن التكيف مع المناخ لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة.
يتوقع خبراء المناخ أن يكون شهرا تموز وآب أكثر حرارة من معدلاتهما الطبيعية في أجزاء واسعة من أوروبا، مع احتمال تشكل موجات حر جديدة خلال الأسابيع المقبلة، في ظل استمرار تأثير الكتل الهوائية الحارة القادمة من شمال إفريقيا. ويجمع الخبراء على أن الحد من آثار هذه الظواهر يتطلب، إلى جانب إجراءات التكيف، تسريع الجهود الدولية لخفض انبعاثات غازات الدفيئة، لأن مواجهة موجات الحر المتكررة لا تتحقق بإجراءات الطوارئ وحدها، بل بمعالجة الأسباب التي تقف وراء تغير المناخ.
علوم وتكنلوجيا
صحة
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا