مضيق هرمز: من ممر حيوي إلى ساحة صراع يهدد بتفجير حرب كبرى


هذا الخبر بعنوان "مضيق هرمز… كيف تحوّل إلى صاعق للحرب؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد مضيق هرمز، خلال الأشهر الماضية، تحولاً جذرياً ليصبح أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تداخلت فيه الحسابات القانونية مع المواجهة العسكرية ومصالح الطاقة العالمية. لم يعد الخلاف مقتصراً على حرية الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي، بل امتد ليشمل صراعاً على النفوذ وقواعد إدارة المضائق الدولية. تسعى إيران إلى ترسيخ دورها كلاعب رئيسي في أمن الخليج، بينما تتمسك الولايات المتحدة بحرية العبور كجزء أساسي من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
هذه الديناميكية ليست جديدة على المنطقة؛ فقد شهد مضيق هرمز تجربة مشابهة قبل عقود خلال ما عُرفت بـ "حرب ناقلات النفط". تركت تلك الحرب أثراً عميقاً في العقيدة العسكرية الإيرانية، وعززت قناعة طهران بأن السيطرة على هذا الممر البحري يمكن أن تعوض اختلال موازين القوة التقليدية. خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، شهدت تلك المرحلة تبادلاً للهجمات على الموانئ النفطية وناقلات النفط، واعتمدت إيران على الألغام البحرية التي أصابت سفناً تابعة لدول المنطقة، مما حول النزاع تدريجياً إلى أزمة دولية. بلغ التصعيد ذروته عام 1988 بعد اصطدام فرقاطة أميركية بلغم بحري، فردت واشنطن باستهداف منصتين نفطيتين وإغراق عدد من القطع البحرية الإيرانية في عملية "فرس النبي".
دفعت حرب الناقلات الحرس الثوري إلى مراجعة أساليبه القتالية والبحث عن وسائل لتقليص الفارق في موازين القوى مع البحرية الأميركية. من هنا، برزت فكرة "أسطول البعوض" أو تكتيكات "حرب العصابات البحرية"، المعتمدة على الزوارق السريعة المزودة بصواريخ بحرية والألغام، لاستنزاف الخصم بأدوات منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية. أدركت إيران مبكراً أهمية موقعها الجغرافي، وتعاملت مع مضيق هرمز كأحد أبرز عناصر قوتها، واختارت توقيت استخدامه بما ينسجم مع استراتيجيتها الإقليمية.
يقول مدير مركز الجيل الجديد للإعلام، محمد غروي، إن إيران تدرك منذ 47 عاماً قدرتها على الاستفادة من مضيق هرمز اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً كوسيلة ضغط، مضيفاً أن هذه الورقة "تُركت لمثل هذه الأيام". وأوضح في حديث لـ "النهار" أن إيران "ستتعاطى مع هذه الورقة كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، وليس على الاقتصاد العالمي"، معتبراً أن "هذه الخطوة جاءت متأخرة، لكنها كانت نافعة لأنها أجبرت واشنطن على اتخاذ إجراءات مكّنت الجمهورية الإسلامية من بيع نفطها، ولو بصورة مؤقتة. ولا نزال ننتظر خطوات إضافية من أميركا للإفراج عن الأموال الإيرانية".
لماذا استخدمت إيران هذه الورقة الآن؟
يرى الباحث السعودي في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور محمد صالح الحربي، أن توقيت اللجوء إلى هذا الخيار، بعد الحرب وليس خلال سنوات العقوبات القصوى، يعود إلى أن عسكرة المضيق "لم تكن خياراً متاحاً" في تلك المرحلة. وأضاف أن طهران تحاول اليوم "مقايضة الأمن الطاقوي العالمي بمكاسب سياسية، محولة مضيق هرمز من ممر مائي دولي إلى ورقة ضغط وجودية لفرض واقع جيوسياسي جديد". ووصف لـ "النهار" هذا السقف الزمني بأنه "أقرب إلى مناورة تكتيكية منه إلى مسار للحل".
في السياق نفسه، يرى الخبير في الأمن الإقليمي والبحري، اللواء المتقاعد في الجيش المصري محمد عبد الواحد، أن إيران كانت تعتقد أن العقوبات يمكن معالجتها عبر المفاوضات دون تصعيد عسكري. "لكنها عندما شعرت أن هذه الحرب وجودية، وبعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي والقيادات وإعلان أميركا وإسرائيل السعي إلى تغيير النظام، لجأت إلى توظيف مضيق هرمز".
"المرور البريء" و"المرور العابر"
تعود جذور الخلاف القانوني إلى ما قبل قيام الجمهورية الإسلامية. ففي عام 1959، وسّعت إيران في عهد الشاه مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً، وردت سلطنة عُمان بخطوة مماثلة، لتختفي المياه الدولية داخل المضيق الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً بحرياً. لا تزال إيران تمتنع عن المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، رغم توقيعها عليها. تنص الاتفاقية على مفهوم "المرور العابر" في المضائق الدولية، بما يمنح السفن التجارية والعسكرية حق العبور السريع والمستمر دون قيود أو شروط مسبقة. في المقابل، تتمسك طهران باتفاقية جنيف للبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة لعام 1958، التي تعتمد مفهوم "المرور البريء"، أي أن يكون العبور متواصلاً وسريعاً، وألا يمس بأمن الدول.
يفسر اللواء عبد الواحد الواقع الراهن بأن إيران "التقطت هذه الأزمة لتنفيذ سياساتها السابقة، واستطاعت تكريس معادلة جديدة، والأهم أنها انتقلت من دولة مطلة على المضيق إلى دولة مؤثرة فيه باستخدام أسلحة منخفضة التكلفة". ولفت إلى إنشاء ما سمّتها طهران "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، معتبراً أنها كرست إطاراً إدارياً جديداً لإدارة حركة الملاحة ومنح تصاريح المرور. وأضاف أن الحرس الثوري وسّع نطاق نفوذه البحري، "ورسم خط نفوذ يتجاوز مضيق هرمز وصولاً إلى الحدود الإماراتية". كما ربطت إيران أمن الممر البحري بأمنها القومي، بحيث أصبح أي نقاش بشأن ترتيباته الأمنية مستقبلاً مرتبطاً بدورها، "وحوّلت مقولة الشاه و(روح الله) الخميني من حارس المضيق إلى عامل مؤثر وشريك لا يمكن تجاوزه".
يعتبر عبد الواحد، الذي عايش محطات مفصلية خلال خدمته العسكرية، أن "إيران أثبتت أن القوة العسكرية الأميركية غير قادرة على ضمان أمن الملاحة بصورة كاملة"، وأن "قراراً إيرانياً يستطيع التأثير في التجارة العالمية وسوق النفط والأسواق المالية". وأضاف: "أعتقد أن هذا الواقع مؤقت لأن الحرب لم تنته بعد. أما إذا انتهت على ما هي عليه الآن، فإن إيران تكون قد كرست واقعاً جديداً وكبيراً".
يتقاطع هذا التقييم مع رؤية الحربي، الذي يضع عسكرة مضيق هرمز في إطار تبني إيران "عقيدة أمنية متغيرة"، تقوم على الانتقال من "الدفاع" إلى "فرض الواقع". وقال إن طهران أدركت، بعد مذكرات التفاهم الأخيرة، ولا سيما مذكرة إسلام آباد، أن "هناك انكفاء دولياً عن الصدام المباشر. هذا الفراغ في الردع هو ما أغراها برفع مستوى التهديد وتجاوز سقف الضغوط الاقتصادية المعتادة". أما غروي، فيعتبر أن "الرسوم أصبحت واقعاً، وستواصل إيران استيفاءها باعتبارها مورداً جديداً يعوض جزءاً مما حُرمت منه طوال السنوات الماضية".
سلطنة عُمان والقانون الدولي
خلال زيارته الرسمية إلى مسقط قبل نحو أسبوعين، تمسك كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بتثبيت ترتيبات ملاحية جديدة في مضيق هرمز تضمن الإشراف الإيراني المباشر بالتنسيق مع سلطنة عُمان. وقال إن بلاده ستتولى إدارة المضيق بما يتوافق مع تفسيرها لاتفاقية عام 1958 بشأن حق "المرور البريء"، وليس وفق التفسير الغربي لمبدأ "المرور العابر". لكن سلطنة عُمان سارعت إلى إعلان تمسكها برفض فرض أي رسوم على المرور، مؤكدة "التزامها التام" بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تمنع الدول المشاطئة للمضائق الدولية من فرض جبايات تعوق حرية عبور التجارة العالمية.
يرى اللواء عبد الواحد أن هذا الموقف قد يعيد ترتيب الأوراق الإيرانية، لكنه يستبعد أن يستمر تأثيره طويلاً. وقال إن "إيران ممكن أن تتلاعب مستقبلاً بالقانون الدولي أو تتحايل عليه، خصوصاً في المادة 26 من اتفاقية الأمم المتحدة، التي تنص على أنه لا يحق للدول تحصيل رسوم على المرور العابر، لكنها تنص في البند نفسه على إمكان الحصول على بدل خدمات، وطلب بدل مالي عن الخدمات البيئية والملاحية والإرشادية". وحذر من أن اعتماد هذا التفسير "قد يمتد لاحقاً إلى ممرات مائية دولية أخرى".
أما الرأي في الخليج، كما يراه الباحث السعودي الدكتور محمد صالح الحربي، فيتمثل في أن 60 يوماً ليست أكثر من "استراحة محارب لكلا الطرفين لترتيب أوراقهما". واستند في رأيه إلى ما سماها "الفجوات العميقة في ملفات الصواريخ والترتيبات الأمنية الخليجية"، التي تجعل التوصل إلى تسوية نهائية خلال هذا الجدول الزمني "أمراً بعيد المنال، ما لم يطرأ تغيير جذري في موازين القوى على الأرض".
صاعق الحرب
منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، شهد مضيق هرمز جولات متتالية من التصعيد. استهدف الحرس الثوري سفناً قال إنها لم تنسق معه قبل العبور، وردت الولايات المتحدة بقصف مواقع بحرية ومنظومات رادار وأهداف أخرى. يعكس هذا التصعيد حجم الخلافات التي لا تزال قائمة بين الجانبين، إذ بقيت ملفات أساسية خارج إطار التفاهم. وفي ظل هذا الواقع، يبقى المضيق قابلاً للتحول إلى شرارة مواجهة جديدة مع أي احتكاك ميداني. وتتمثل العقدة الأساسية في إصرار إيران على اعتبار أمن المضيق جزءاً من أمنها القومي وامتداداً لنفوذها الإقليمي، في مقابل تمسك الولايات المتحدة باعتباره ركناً من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، إلى جانب ارتباطه المباشر بالأمن القومي الأميركي في ظل انتشار قواعدها العسكرية على الساحل الشرقي للخليج، وفي مقدمتها مقر الأسطول الخامس في البحرين.
لذلك، يرتبط احتواء هذا التوتر، أو تأجيل انفجاره، بمسارات تفاوضية ازدادت تعقيداً بفعل تداعيات الحرب. وفي هذا السياق، يحذر غروي من أن "إصرار أميركا على منع إيران من استيفاء الرسوم يمثل خطاً أحمر، وهي مستعدة لفتح الحرب من جديد بسبب هذه المسألة… والولايات المتحدة تعرف ذلك". ويصف الحربي الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران بأنه "ليس مجرد مشاكل تقنية يمكن حلها في شهرين"، بل "تصادم في الأجندات الإقليمية، وتمدد في النفوذ، وسباق تسلح"، معتبراً أن معالجته تتطلب "إعادة صوغ شاملة للعلاقة الأمنية في المنطقة".
أما عبد الواحد، فيرى أن واشنطن تعتمد حالياً "لغة هادئة ومنضبطة" بالتوازي مع استمرار المفاوضات، لكنه لا يستبعد تنفيذ ضربات جديدة. وأضاف أن أي عمليات عسكرية مقبلة ستركز على إضعاف القدرات البحرية الإيرانية تدريجياً، قائلاً: "كلما طال أمد الأزمة، تلقت إيران ضربات أشد، وخصوصاً في بنيتها التحتية البحرية، بهدف تقليص قدرتها على السيطرة على المضيق، تمهيداً لإعادة فتحه بالقوة أو فرض واقع ميداني جديد".
بالوقائع الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، أعادت الحرب تأكيد أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم. وفي المقابل، يثير تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط في الصراعات الدولية مخاوف من تكريس سوابق قد تمتد إلى مضائق أخرى، وهو سيناريو تنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره من أخطر تداعيات الأزمة، لما قد يفتحه من باب أمام أزمات مشابهة في مناطق استراتيجية أخرى، وفي مقدمها بحر الصين الجنوبي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة