سوريا والعراق: هل تتجاوز العلاقات مرحلة الأمن نحو شراكة اقتصادية؟


هذا الخبر بعنوان "سوريا والعراق.. هل يطوي الاقتصاد صفحة الأمن؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت زيارة وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، إلى دمشق، ولقاؤه بالرئيس السوري، أحمد الشرع، وعدد من المسؤولين السوريين، فتح النقاش حول مستقبل العلاقات السورية-العراقية، ومحاولة البلدين إعادة ترتيب أولويات التعاون بعد سنوات من الاضطرابات الأمنية والتوترات الإقليمية. تحمل الزيارة أبعادًا تتجاوز الطابع الدبلوماسي، إذ تطرح تساؤلات بشأن طبيعة السياسة التي تنتهجها بغداد تجاه الإدارة السورية الجديدة، وما إذا كانت تمثل تحولًا في مسار العلاقات الثنائية، أم أنها تقتصر على معالجة ملفات معينة فرضتها التطورات الأمنية والإقليمية.
تثير الزيارة نقاشًا حول قدرة دمشق وبغداد على الانتقال من مرحلة التنسيق الأمني إلى شراكة أوسع تشمل التعاون الاقتصادي والاستثماري، في حين لا تزال التحديات الداخلية والإقليمية تلقي بظلالها على البلدين، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود أو النفوذ الإقليمي أو مستقبل مشاريع الربط الاقتصادي. كما تفتح الزيارة التساؤلات حول مدى قدرتها على إحداث تحول فعلي في العلاقات السورية-العراقية، وما إذا كانت ستُترجم إلى خطوات عملية على الأرض، أم ستبقى في إطار التنسيق السياسي والأمني الذي فرضته التطورات الإقليمية.
الملفات الأمنية ستبقى في مقدمة أولويات البلدين بحكم تشاركهما حدودًا طويلة، واستمرار التحديات المرتبطة بتهريب السلاح والمخدرات وتحركات التنظيمات المسلحة. إلا أن الجانبين يسعيان أيضًا إلى توسيع التعاون الاقتصادي، من خلال تنشيط التبادل التجاري وتطوير مشاريع النقل والطاقة، بما يحقق مصالح مشتركة، ويعزز الاستقرار على المدى البعيد.
في المقابل، تبقى قدرة هذا التقارب على تحقيق نتائج ملموسة مرتبطة بجملة من العوامل، أبرزها طبيعة التوازنات الإقليمية ومستقبل العلاقات العربية مع دمشق، إلى جانب قدرة الحكومتين على تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.
يرى المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية محمود علوش، أن زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق تعكس انتقال العلاقات السورية-العراقية إلى مستوى جديد، معتبرًا أن البلدين تجاوزا مرحلة بناء الثقة، وأصبحا أمام مرحلة تقوم على تعميق التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك. وقال علوش، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا التحول يستند إلى حاجة متبادلة بين دمشق وبغداد لتعزيز التنسيق في قضايا أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي الذي بات يشكل المحرك الرئيس للعلاقة بين البلدين.
وأضاف أن المتغيرات الإقليمية أسهمت في دفع هذا التقارب، إلا أن العامل الأساسي يبقى ارتباط مصالح سوريا والعراق بشكل مباشر، وهو ما يفسر تطور العلاقة بينهما خلال الفترة الأخيرة. واعتبر أن ملفات أمن الحدود ومكافحة الإرهاب لا تزال تحتل أولوية لدى الحكومتين، إلا أن التعاون الاقتصادي يمثل المدخل الأهم لتعزيز العلاقات على المستويات الأمنية والسياسية، مشيرًا إلى أن تجربة البلدين أظهرت أن الازدهار الاقتصادي يسهم أيضًا في الحد من التحديات الأمنية ومواجهة الإرهاب.
وأشار علوش إلى أن العلاقات بين دمشق وبغداد باتت أكثر متانة مما كانت عليه في السابق، رغم استمرار وجود تحديات قد تؤثر في مسارها وفي مقدمتها البعد الإقليمي. بعض القوى المؤثرة في العراق والمرتبطة بإيران لا تزال تنظر إلى السلطة السورية الجديدة بوصفها مصدر تهديد، وهو ما يجعل التأثير الإيراني أحد أبرز العوامل الضاغطة على تطور العلاقات بين البلدين، بحسب علوش. ولفت إلى أن توقيت الزيارة، الذي جاء بعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بغداد، قد يحمل دلالات سياسية، مرجحًا أن يكون الوزير العراقي قد نقل رسائل إلى دمشق تتعلق بملفات إقليمية، ولا سيما الملف اللبناني و”حزب الله”، في ضوء الرسائل التي وجهها الرئيس السوري، أحمد الشرع، مؤخرًا تجاه الحزب.
التنافس التركي-الإيراني سيبقى حاضرًا في المشهد العراقي، وسيواصل التأثير في علاقات بغداد الإقليمية، إلا أن دمشق، بحسب رأي المحلل السياسي، تسعى إلى بناء علاقتها مع العراق انطلاقًا من مصالحها المباشرة بعيدًا عن حسابات هذا التنافس. ولفت علوش إلى أنه لا يزال من المبكر الحديث عن شراكة سورية-عراقية بالمعنى الكامل، لكنه يرى أن الزيارة تمثل خطوة مهمة نحو مرحلة جديدة من العلاقات، تعكس رغبة مشتركة لدى البلدين في إدارة مصالحهما المتداخلة، تمهيدًا لتطويرها مستقبلًا إلى مستويات أوسع من التعاون السياسي والاقتصادي.
من جانبه، يرى المحلل السياسي أحمد القاسم، أن توقيت زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق يحمل دلالات سياسية تتجاوز إطارها الدبلوماسي، في ظل توجه إقليمي ودولي نحو تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. وقال القاسم، في حديث إلى عنب بلدي، إن العراق يشهد في المرحلة الحالية خطوات تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب إجراءات لمكافحة الفساد، وهو ما يعكس برأيه، وجود إرادة لدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر استقرارًا. واعتبر أن هذه التطورات ستنعكس على طبيعة العلاقات بين دمشق وبغداد، لافتًا إلى أن العلاقة بين البلدين تمتد لعقود، إلا أنها تأثرت خلال السنوات الماضية بتداعيات الثورة السورية وتدخل الميليشيات المدعومة من إيران إلى جانب النظام السابق.
التغير الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق أسهم في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، وأعاد لدمشق، بحسب القاسم، موقعها الجيوسياسي، مشيرًا إلى أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تقوم على الانفتاح على الدول العربية وتبني مبدأ “صفر مشكلات”، بخلاف نهج النظام السابق. وأشار القاسم إلى أن الملف الأمني يبقى في صدارة أولويات التعاون بين البلدين، نظرًا إلى امتداد الحدود السورية-العراقية لمسافة تزيد على 600 كيلومتر، وما يرتبط بها من تحديات تتعلق بمكافحة التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى جانب ضبط الحدود.
وأضاف أن التعاون الاقتصادي يرتبط بصورة مباشرة بالاستقرار الأمني، لافتًا إلى أن مشاريع مثل إعادة تأهيل خطوط نقل النفط والممرات التجارية اكتسبت أهمية أكبر بعد المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وما أبرزته من أهمية للموقع الجغرافي لسوريا بوصفها عقدة عبور بين دول المنطقة.
يرى المحلل السياسي أحمد القاسم أن أبرز التحديات التي قد تواجه تطوير العلاقات بين البلدين تتمثل في استمرار تأثير إيران على القرار العراقي، معتبرًا أنه كلما اتجهت بغداد إلى تعزيز استقلالية قرارها السياسي، ازدادت فرص بناء علاقة قائمة على المصالح الوطنية المشتركة وروابط الجوار بين البلدين. وأوضح القاسم أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها دورًا محوريًا في الإقليم، متوقعًا أن تشهد السياسة الخارجية السورية هامشًا أوسع من الحرية خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا بعد الانفتاح العربي والدولي الذي أعقب سقوط النظام السابق، وما رافقه من مواقف سياسية، من بينها تصريحات الرئيس السوري الأخيرة بشأن لبنان.
زيارة وزير الخارجية العراقي قد تشكل بداية لمسار جديد في العلاقات السورية-العراقية، مدفوعًا بتداخل المصالح الاقتصادية والأمنية التي ستبقى، بحسب تقدير المحلل السياسي، العامل الأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل التعاون بين البلدين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة