فن إدارة الصراع: القوى العظمى على حافة الهاوية الجيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "قراءة هادئة بين السطور (5) حدّ السكين" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
تستمر الحلقة السابقة بسؤال يبدو بسيطًا ولكنه يمثل أحد أعقد أسئلة الجيوبوليتيك: كيف تدفع القوى الكبرى الأقاليم الجيوسياسية إلى أقصى درجات الضغط دون السماح بانهيارها؟ في بعض البيئات الجيوسياسية، تبدو تحركات القوى الكبرى أشبه بالسير على حافة السكين، حيث تقترب باستمرار من نقطة الانفجار دون أن تسقط فيها. لا يُترك التصعيد ليتحول إلى حرب شاملة، ولا يُحتوى مبكرًا ليفقد تأثيره، بل يبقى ضمن هامش دقيق يُستخدم لإعادة ضبط موازين القوى كلما اقتربت من الاختلال.
إذا كانت الجغرافيا ترسم المسار، فإن السياسة هي التي تمنحه الزخم. ومع ذلك، فإن هذه الحركة لا تتجه دائمًا نحو الحرب، ولا تستقر دائمًا عند السلام، بل تظل معلقة بينهما، في مساحة تتحول فيها القوة إلى وسيلة لإدارة التوازن أكثر من كونها أداة للحسم. يرتفع الضغط حتى يلامس حدود الاختلال، ثم تُفتح أبواب الوساطة. تقترب الأطراف من الهاوية، ثم يُترك لها متسع للعودة. ليس لأن الحرب مستحيلة، بل لأن أخطر ما قد يحدث هو فقدان القدرة على التحكم في مسارها.
ولعل أوضح صور ذلك هو القوس الجيوسياسي الذي يمتد من سواحل المحيط الأطلسي، مرورًا بالبحر المتوسط، والمضائق الاستراتيجية، والخليج العربي، والمحيط الهندي، وصولًا إلى الممرات البحرية في شرق آسيا. في هذا الامتداد، لا تتحرك الجغرافيا كخرائط متجاورة، بل كمنظومة واحدة؛ فإذا اضطربت إحدى حلقاتها، امتد أثرها إلى سائر الحلقات، لأن ما يجمعها ليس البحر وحده، بل شبكة معقدة من المصالح، والطاقة، والتجارة، والأمن، وموازين القوة. ولهذا لا تُدار هذه الجغرافيا نقطة بنقطة، بل كقوس كامل، يصبح فيه كل مضيق، وكل ممر، وكل عقدة اتصال، أداة لإعادة معايرة التوازن، لا مجرد موقع على الخريطة.
إنها معادلة دقيقة يبقى فيها الردع قائمًا، لكنه لا ينفلت. وتظل الحرب احتمالًا، لكنها لا تصبح قدرًا. ويظل السلام ممكنًا، لكنه لا يتحول إلى نهاية. ففي الجيوبوليتيك، لا يكون التحدي الأكبر هو خوض الحرب، بل منع اختلال ميزان القوة إلى الحد الذي تصبح معه نتائج الصراع خارج قدرة الجميع على الاحتواء. وهكذا، لا يعود حد السكين فاصلًا بين الحرب والسلام، بقدر ما يصبح الحد الفاصل بين توازن ما زال قابلًا للإدارة، وتوازن خرج عن سيطرة الجميع.
غير أن بقاء التوازن لا يتحقق بالقوة وحدها. فما هي الأدوات التي تُبنى بها التوازنات؟ وكيف تتداخل فيها الجغرافيا، والطاقة، والاقتصاد، والتحالفات، والأمن؟ ذلك ما سنحاول قراءته بهدوء في الحلقة القادمة. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة