كيف نقيم المرحلة الانتقالية: بين التفجيرات وتشكيل البرلمان


هذا الخبر بعنوان "بأي معيار نحاكم المرحلة الانتقالية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الساحة السورية مؤخرًا حدثين بارزين أثارا نقاشًا واسعًا: التفجير الإرهابي الذي استهدف مقهى قرب قصر العدل في دمشق، وأسفر عن سقوط ضحايا، مما أعاد ملف الأمن وقدرة الدولة على حماية المواطنين إلى الواجهة، خاصة أنه التفجير الثاني الذي تشهده العاصمة منذ سقوط النظام، بعد تفجير كنيسة دويلعة. الحدث الثاني تمثل في استكمال تشكيل البرلمان الانتقالي بعد تسمية حصة رئيس الجمهورية، ليصبح المجلس قادرًا على الانعقاد وممارسة مهامه.
وبين التفجير والبرلمان، انقسم السوريون بين من رأى في الحدثين دليلًا على فشل الدولة الوليدة، ومن اعتبرهما جزءًا طبيعيًا من مرحلة انتقالية لا تزال في بداياتها. تركزت معظم النقاشات حول سؤالين مباشرين: كيف يقع تفجيران إرهابيان في العاصمة دون تمكن أجهزة الدولة من إحباطهما؟ وكيف يمكن اعتبار برلمان لم يُنتخب مباشرة من السوريين مؤسسة شرعية؟
هي أسئلة مشروعة، لكن ربما تكمن المشكلة في أننا نحاول الإجابة عن سؤال سياسي، بينما السؤال في جوهره نفسي أيضًا: كيف نحكم على مرحلة انتقالية؟ وهل يصح أن نقيس دولة لا تزال في طور التشكل بالمعايير نفسها التي نقيس بها دولة مستقرة منذ عقود؟
لعل استعارة من التحليل النفسي تساعدنا على النظر إلى هذه الأسئلة بطريقة مختلفة. فقد صاغ الطبيب والمحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوت أحد أشهر مفاهيمه حين تحدث عن “الأم الجيدة بما يكفي” (Good Enough Mother)، وهو مفهوم نقل الاهتمام من البحث عن الكمال إلى البحث عن شروط النمو. لم يكن وينيكوت يقول إن الطفل يحتاج إلى أم مثالية، بل رأى أن الأم المثالية ليست موجودة أصلًا، وأن ما يحتاج إليه الطفل هو بيئة مستقرة وآمنة بالقدر الذي يسمح له بالنمو واكتساب الاستقلال تدريجيًا. فالمعيار ليس غياب الأخطاء، وإنما قدرة البيئة على إنتاج النمو. ومن باب الاستعارة، يمكن النظر إلى المراحل الانتقالية في حياة الدول بالطريقة نفسها.
انهيار النظام السوري السابق لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل جاء بعد عقود من احتكار القرار السياسي والأمني والإداري داخل بنية واحدة. في مثل هذه الأنظمة، لا يؤدي سقوط السلطة إلى تغيير الحكومة فقط، بل يترك مؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، وقواعد جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع تحتاج إلى التشكل. لذلك، ربما يكون من غير الواقعي أن نحاكم هذه المرحلة بمعيار الدولة المستقرة، أو أن ننتظر منها مؤسسات مكتملة منذ أسابيعها الأولى. السؤال ليس: هل أصبحت الدولة مثالية؟ بل: هل بدأت تتشكل فيها بيئة تسمح بنمو مؤسسات أكثر استقلالًا، وحياة سياسية أكثر تنوعًا، وأسلوب حكم مختلف عما عرفه السوريون لعقود؟
هذا المنطق ليس غريبًا عن تجارب الانتقال السياسي في العالم. فإسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو لم تبدأ بانتخابات ديمقراطية مكتملة، بل بمرحلة انتقالية سبقت فيها الإصلاحات السياسية بناء المؤسسات الجديدة. وكذلك شهدت التشيك بعد الثورة المخملية حكومات انتقالية وتوافقات سياسية بما فيها مع أعضاء بنظامها السابق، قبل الوصول إلى الانتخابات الحرة. وفي كلتا الحالتين، لم يكن نجاح المرحلة مرهونًا بكمالها منذ اليوم الأول، بل بقدرتها على فتح الطريق نحو مؤسسات أكثر رسوخًا.
استحضار وينيكوت لا يعني أبدًا تخفيض سقف النقد أو تبرير الأخطاء. فالأم الجيدة بما يكفي لا تُقاس فقط بقدرتها على رعاية طفلها، بل أيضًا بقدرتها على مساعدته في الاستقلال عنها. وإذا بقينا داخل هذه الاستعارة، فإن المرحلة الانتقالية لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأمن أو تشكيل البرلمان، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات مستقلة عنها. فالبرلمان الحالي قد لا يكون هو الذي يحلم به السوريون، لكن السؤال الحقيقي: هل يمثل خطوة مؤقتة نحو برلمان منتخب بالكامل في المستقبل، أم أنه يتحول إلى صيغة دائمة؟ والتفجير الإرهابي لا يثبت وحده فشل الدولة، لكنه يصبح مؤشرًا خطيرًا إذا لم يؤدِّ إلى مراجعة حقيقية وتطوير للأجهزة الأمنية وقدرتها على حماية المجتمع.
وهنا يبرز دور المعارضة، لا بوصفها طرفًا يطالب بالكمال، وإنما بوصفها حارسًا للاتجاه: هل تتوسع الحريات أم تضيق؟ هل يصبح البرلمان القادم أكثر تمثيلًا من الحالي؟ هل تتعزز استقلالية القضاء؟ هل يُفتح المجال أمام الأحزاب والنقابات والصحافة والمجتمع المدني؟ وفي المقابل، فإن السلطة نفسها تُختبر بقدرتها على احتمال المعارضة، فالبيئة السياسية السليمة، مثلها مثل البيئة النفسية السليمة، لا تخشى الاستقلال التدريجي، بل تعتبره علامة على نجاحها.
الخطر الحقيقي على أي مرحلة انتقالية ليس أن تكون ناقصة، فهذا يكاد يكون جزءًا من تعريفها، وإنما أن تقع في حب انتقاليتها، أن يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثناء إلى قاعدة، والإجراءات الانتقالية إلى نظام جديد. عندها تفقد المرحلة معناها، لأنها تكف عن إنتاج المستقبل، وتبدأ بإعادة إنتاج نفسها، وهذا تحديدًا كان مشكلة الأنظمة الدكتاتورية وقوانين الطوارئ، حين تحول المؤقت إلى حالة دائمة.
منوعات
اقتصاد
سياسة
سياسة