التسول في سوريا: قصص متشابكة بين الحاجة الملحة والاستغلال المقنّع


هذا الخبر بعنوان "التسول بين الحاجة والمهنة.. ليست كل القصص سواء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ريف اللاذقية، تتجول سيدة تبلغ من العمر 73 عامًا بين البساتين وأبواب المنازل، لا تطلب المال، بل تسمح لها صاحبة المنزل بأخذ جزء من المزروعات مثل السلق أو الفاصولياء، ثم تقوم ببيعها لتأمين احتياجاتها مع شقيقتها المسنة. رغم ظروفها الصعبة، ترفض الكشف عن اسمها أو الظهور أمام الكاميرا، خوفًا من إحراج أبنائها أو تحميلهم مسؤولية وضعها، مؤكدة أنها لا تريد أن تكون عبئًا عليهم في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة. قصتها ليست فريدة، بل هي جزء من صور متعددة للحاجة في سوريا، حيث لم تعد ظاهرة التسول تُفسر بمنظور واحد، بل اتخذت أشكالًا مختلفة فرضها الانهيار الاقتصادي، ولم تعد تقتصر على طلب المال فحسب.
على الرغم من غياب إحصاءات رسمية شاملة عن حجم الظاهرة، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن حملة ميدانية بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، أسفرت عن احتواء 185 حالة تسول، غالبها من الأطفال، مما يعكس اتساع الظاهرة دون تقديم صورة كاملة عنها.
في أحد شوارع اللاذقية، تتجلى هذه التحولات بوضوح. يجلس رجل سبعيني، فقد ذراعيه نتيجة إصابة بلغم أثناء عمله الزراعي، يحتضن كيسًا أسود، متحفظًا على التصوير أو الكشف عن هويته. بعد تردد، وافق على الحديث، موضحًا أنه كان يعتمد على العمل في أرض يملكها قبل إصابته التي أدت إلى بتر يديه وفقدانه القدرة على العمل كالسابق. ما يجنيه يوميًا من التسول يكفي لتغطية جزء من احتياجاته الأساسية، وقد حاول سابقًا العمل على "بسطة" صغيرة لكن التجربة فشلت بسبب إصابته.
اقترب منه رجل آخر، يحمل كيسًا مليئًا بالأعشاب البرية، وسأل على عجل: "إذا عم تسجلوا على شغل.. أنا بدي اشتغل"، معتقدًا أن فريق "عنب بلدي" يجمع أسماء الباحثين عن عمل. عرف الرجل عن نفسه باسم رزاز (48 عامًا)، ويحمل إجازة جامعية في التاريخ، وكان موظفًا حكوميًا لمدة 16 عامًا قبل فصله. يعيش اليوم مع زوجته في منزل مستأجر، ويحاول تأمين دخلهما من خلال بيع الأعشاب البرية، ولكنه اعترف بأن الحال وصل به أحيانًا إلى التسول.
على الرصيف ذاته، يروي محمد (50 عامًا)، القادم من حلب، تجربة مختلفة. يزور اللاذقية باستمرار بحكم عمله التجاري، ويشاهد امرأة تتسول أمام أحد محال الصرافة بشكل شبه يومي. اعتاد إعطاؤها مبلغًا "بحسب المتيسر". خلال الحرب الأخيرة في لبنان، ادعت أنها نازحة سورية عادت من هناك، وهي رواية من بين عشر روايات أخبرته بها. لكن محمد لاحظ تغيرًا في نظرته لبعض المتسولين، إذ اكتشف في إحدى المرات أن المرأة تملك منزلين في أطراف اللاذقية تقوم بتأجيرهما، وهي رواية لم تتمكن "عنب بلدي" من التحقق منها بشكل مستقل.
بينما يتحدث محمد عن تردده بين التعاطف والخشية من الخداع، تشير بعض الوقائع إلى أن الاستغلال بات أحد أوجه الظاهرة. فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية في 24 حزيران الماضي عن تفكيك شبكة في حلب متورطة باستغلال أطفال في أعمال التسول والسرقة، وتحرير عدد منهم.
الاختصاصية الاجتماعية يسار الدروبي ترى أن دوافع التسول لا ترتبط بالفقر وحده، بل تشمل عوامل نفسية واجتماعية كالشعور بالعجز وفقدان الدعم الأسري والاجتماعي، مشيرة إلى أن التسول قد يتحول إلى سلوك اعتيادي مع مرور الوقت. أما الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، فتؤكد أن التعامل مع الظاهرة كحالة فردية يختزل المشكلة، وأن التعاطف وحده دون بدائل حقيقية يسهم في إعادة إنتاجها. الحل يحتاج إلى تكامل أدوار الدولة والجمعيات والأفراد في توفير فرص العمل والدعم وإعادة التأهيل. الدولة مطالبة بتوفير فرص عمل ودعم نفسي واجتماعي وحماية للأطفال، بينما تركز الجمعيات على برامج إعادة التأهيل والتعليم المهني وتنظيم المساعدات. الأفراد بحاجة لإدراك أن تقديم المال في الشارع ليس حلًا مستدامًا وقد يعزز الاعتماد على التسول. حملات التوعية محدودة الأثر إذا لم ترافقها بدائل ملموسة، فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء الثقة وتعزيز قيم العمل والكرامة. التسول ليس مجرد مد يد لطلب المال، بل "جرح نفسي واجتماعي" يحتاج إلى معالجة شاملة تتجاوز البعد الاقتصادي.
في المقابل، ترى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن جزءًا كبيرًا من ظاهرة التسول يرتبط بالاستغلال أكثر من ارتباطه بالحاجة المباشرة. رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد في دمشق، خزامى النجاد، صرحت بأن الحملة الميدانية أسفرت عن احتواء 185 حالة تسول، بينها 13 امرأة، وشكل الأطفال الأغلبية. نُقلت الحالات إلى مراكز رعاية متخصصة لفترات تتراوح بين ستة أشهر وعام، بهدف تقديم الرعاية الاجتماعية والنفسية وإعادة التأهيل، حيث يعاني العديد من الأطفال مشكلات نفسية ناجمة عن ظروف أسرية واجتماعية معقدة.
في محافظة طرطوس، أطلقت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل حملة توعوية بعنوان "لا تعطوهن.. أعطونا"، لتشجيع المواطنين على توجيه المساعدات عبر القنوات الرسمية بدلًا من تقديمها مباشرة في الشوارع. وتشير المديرية إلى أن بعض المتسولين يحصلون على مبالغ مرتفعة في الشارع، مما يجعل إقناعهم ببدائل عمل أو برامج دعم اجتماعي أكثر صعوبة.
في المحصلة، تبقى مكافحة التسول في سوريا مرتبطة بتداخل القانون مع الحلول الاجتماعية والاقتصادية، عبر التوسع في مراكز الإيواء، وتفعيل برامج إعادة التأهيل، وتعزيز فرص العمل، إلى جانب حماية الفئات الأكثر هشاشة من الوقوع في دوائر الاستغلال. بين رجل فقد يديه، وآخر يبحث عن فرصة عمل، وامرأة تجمع المزروعات لتبيعها، تتكشف ظاهرة التسول في سوريا كحكايات متباينة يجمعها خيط الحاجة، لكنها لا تحمل التفسير ذاته. فخلف كل يد ممدودة قصة مختلفة، وتبقى الحلول المستدامة وحدها القادرة على كسر هذه الدائرة.
اقتصاد
منوعات
منوعات
اقتصاد