ساحة فرحات بحلب: كنوز التاريخ تتجلى في أزقة حي الجديّدة العتيق


هذا الخبر بعنوان "ساحة “فرحات”.. التاريخ يتخفى داخل أزقة ضيقة بحلب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقع ساحة “فرحات”، إحدى الساحات البارزة في مدينة حلب، في قلب حي الجديّدة القديم، محاطة بأزقة حجرية ضيقة وبيوت عتيقة وكنائس عريقة تشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية التاريخية للحي. وعلى الرغم من صغر مساحتها، تظل الساحة معلمًا هامًا في المنطقة، نظرًا لارتباطها بتمثال المطران جرمانوس فرحات والكنائس المحيطة بها. يصف الحلبيون حي الجديّدة غالبًا بأنه يشبه بعض الأحياء الإيطالية القديمة، ليس من باب المقارنة الدقيقة، بل كوسيلة شعبية لوصف جمال المكان، حيث تمنح الأزقة الضيقة والواجهات الحجرية والشرفات والأبواب الخشبية الحي طابعًا فريدًا يصفه البعض بأنه نسخة من حي إيطالي داخل حلب.
يقع هذا المكان خارج أسوار حلب القديمة، ضمن حي الجديّدة الذي تطور على مدى قرون ليصبح أحد أبرز أحياء المسيحيين في المدينة. ومع مرور الزمن، تحول الحي إلى جزء من الذاكرة الجماعية لحلب، بما يحتويه من بيوت تراثية وكنائس ومطاعم ومقاهٍ. وتنبثق أهمية الساحة من الاسم الذي تحمله، فـ”فرحات” ليس اسمًا محليًا عابرًا، بل هو تكريم للمطران جرمانوس فرحات، أحد الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ اللغة العربية والثقافة المسيحية في حلب خلال العصر العثماني.
ولد المطران جرمانوس فرحات عام 1670، وينتمي إلى أسرة مطر التي هاجرت من قرية حصرون في لبنان إلى حلب. يُعد فرحات من الشخصيات التي أرست أسس النهضة في الشرق، فقد امتزجت ثقافته بثقافة الغرب، وأتقن اللغات العربية والإيطالية واللاتينية والسريانية. كما تعمق في دراسة المنطق والفلسفة وعلوم العرب والتاريخ، بالإضافة إلى العلوم اللاهوتية، وشارك في مجالات أخرى كَالطب والكيمياء والفلك والطبيعيات.
في عام 1711، سافر إلى روما، ومن ثم إلى إسبانيا، حيث تفقد الآثار العربية المتبقية وحصل على عدد من المخطوطات القيمة قبل عودته إلى لبنان عام 1712. وعندما تولى منصب الأسقف في حلب، أسس “المكتبة المارونية” التي احتوت على مجموعة من المخطوطات العربية النفيسة. ترك فرحات أكثر من مئة مؤلف في مجالات النحو والإعراب واللغة والعروض والأدب والمنطق والفلسفة، ومن أشهر أعماله “بحث المطالب” في الصرف والنحو، الذي أعيد طبعه مرارًا وظل مقررًا في المدارس لفترة طويلة.
عاش فرحات في فترة كانت فيها حلب مركزًا تجاريًا وثقافيًا نابضًا بالحياة، يربط بين الأناضول وبلاد الشام والعراق، ويستقبل التجار والرحالة والعلماء من مختلف المناطق. تولى مطرانية الموارنة في حلب بين عامي 1725 و1732، ولم يقتصر دوره على كونه رجل دين، بل اشتهر باهتمامه العميق باللغة العربية، وكتب فيها أعمالًا أدبية وتعليمية، وسعى إلى جعل العربية لغة المعرفة والتواصل لأبناء الطائفة المارونية، في وقت كانت فيه السريانية تلعب دورًا أساسيًا في الطقوس الدينية. هدف فرحات من خلال كتاباته في اللغة العربية إلى تقديم مادة تعليمية مبسطة تساعد المتعلمين على فهم قواعدها، ولم يقتصر تأثيره على حلب أو الكنيسة، بل انتشرت بعض أعماله في المدارس العثمانية، واستفاد منها لاحقًا عدد من رواد النهضة العربية.
حملت الساحة اسم المطران جرمانوس فرحات تكريمًا له، وتم وضع تمثاله فيها خلال ثلاثينيات القرن الماضي بمناسبة مرور قرنين على وفاته. ومنذ ذلك الحين، أصبح الاسم جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة الحي، يُستحضر دائمًا مع الكنائس المحيطة به والحكايات التي يرويها الحلبيون عن حي الجديّدة كحي فريد من نوعه.
تبدو ساحة “فرحات” أشبه بمدخل للكنائس المحيطة بها، حيث تتجاور في محيطها كاتدرائيات وكنائس تتبع طوائف مسيحية متعددة. ومن أبرز هذه المعالم كاتدرائية “مار إلياس” المارونية، الواقعة في الساحة نفسها، وتُعد من أهم معالم حي الجديّدة. بُنيت الكاتدرائية عام 1873، وتميزت ببرجين وقبة مرتفعة، ويقع مذبحها الرخامي ذو الأعمدة الصفراء تحت القبة في جهتها الشرقية. وفي عام 1914، أُجريت أعمال إنشائية في الكنيسة وُصفت بأنها من أوائل استخدامات الأسمنت المسلح في حلب، وارتبطت ذاكرتها بساعة موسيقية في برجها كانت تعزف لحن “آفي ماريا” بشكل دوري.
وإلى جانبها، توجد كاتدرائية انتقال السيدة للروم الملكيين الكاثوليك، وهي إحدى الكنائس البارزة في الساحة ومحيطها. كما توجد كنائس أرمنية في حي الجديّدة، من بينها كنيسة “الأربعين شهيدًا” للأرمن الأرثوذكس، التي تعود جذورها إلى أواخر القرن الخامس عشر.
لا يمكن الحديث عن ساحة “فرحات” بمعزل عن حي الجديّدة، فالجمال في هذا الحي لا يُكشف دفعة واحدة، بل يتجلى تدريجيًا لمن يتجول في أزقته. ارتبط حي الجديّدة تاريخيًا بالحرفيين والتجار، وبحضور عائلات مسيحية لعبت دورًا محوريًا في الحياة الاقتصادية والثقافية للمدينة. ومع مرور الزمن، لم يعد الحي مقتصرًا على سكانه الأصليين، بل أصبح جزءًا من ذاكرة حلب، يقصده الزوار لمشاهدة البيوت القديمة والكنائس والمطاعم والمقاهي التي أُنشئت في بعض مبانيه التراثية. وقبل الحرب، شهدت المنطقة جهودًا لترميم البيوت التاريخية، وتحولت بعض المباني إلى فنادق صغيرة ومطاعم ومراكز ثقافية.
خلال سنوات الحرب، لم تسلم ساحة فرحات من الدمار الذي طال المدينة القديمة، حيث تعرض حي الجديّدة لأضرار واسعة، وأصيبت الكنائس والأبنية التاريخية المحيطة بالساحة بالقصف والاشتباكات. تضررت كاتدرائية “مار إلياس” المارونية بشكل كبير، حيث انهار سقفها تحت القصف عام 2012، وتفاقمت الأضرار في السنوات اللاحقة. كما لحقت أضرار جسيمة بكاتدرائية “انتقال السيدة” للروم الملكيين الكاثوليك، شملت القبة والمدخل وأجزاء من المبنى المجاور. بعد توقف المعارك، بدأت أعمال ترميم في أجزاء من حي الجديّدة وكنائسه.
على الرغم من ارتباط ساحة “فرحات” بالوجود المسيحي في حلب، إلا أنها لا يمكن اختزالها في هوية دينية واحدة. فهي تمثل جزءًا من مدينة عُرفت عبر تاريخها بتعددها وقدرة أحيائها على احتضان أصوات مختلفة في مساحة واحدة. ومن التفاصيل التي ارتبطت بالمكان، محل “أبو عبدو الفوال”، الذي يعرفه الكثير من الحلبيين كأحد معالم الحي البارزة، إلى جانب الكنائس والبيوت القديمة والأزقة التي شكلت ذاكرة حلب الجديدة. وبين تاريخ الحي وصاحب الاسم الذي أُطلق على ساحته، وامتداد آثار الحرب وأعمال الترميم، تظل الساحة واحدة من الأماكن التي تحفظ جانبًا من صورة حلب القديمة، بما فيها من تنوع ديني واجتماعي وتفاصيل يومية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي لسكانها.
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي
سوريا محلي